فى أول حوار له منذ عودته من صفوف الجبهة الثورية .. نصرالدين المهدي يدلي بشهادته على العصر في أحداث الجزيرة أبا (2)
كشف النائب السابق لرئيس حزب الأُمة القومي نصر الدين الهادي المهدي في أول حوار له منذ عودته من خارج السودان بعد أن كان نائباً لرئيس الجبهة الثورية ، كشف أدق الأسرار عن أحداث الجزيرة أبا التي وقعت في الفترة من 26 إلى 31مارس 1970 وأستشهد فيها إمام الأنصار الهادي المهدي بالقرب من الكرمك ، كما استشهد عدد كبير من الأنصار داخل الجزيرة أبا، وودنوباوي ، نصرالدين حكى روايته كشاهد على العصر وكان فى قلب الأحداث ،«الوطن» أجرت مع نصر الدين حوار عن أحداث التاريخ و حول مايدور فى الراهن السياسى فالى تفاصيل الحوار.
حوار : عبدالوهاب موسى
كم عدد الذين لقوا حتفهم فى الجزيرة ابا ؟
نحو 200 شهيد لقوا حتفهم، لكن القنابل التى سقطت فى الجزيرة أبا كان يمكن أن تبيد جميع سكان الجزيرة، ولكن نسبة لطبيعة ارض الجزيرة أبا الطينية غطست القنابل في الارض و مازال بعضها موجودا، بعض الناس قال هذه كرامة. الإمام الهادى لم يكن رغبا في مواجهة عسكرية القاتل والقتيل فيها سودانيين.
طائرات اطلقت منشورات ورشت الجموع بالماء، بعض الأقاويل اشارت ان الأنصار قالوا “سيدي قلبوا ورق ، وسيدي قلبوا موية’؟
الطائرات ضربت فى اليوم الأول للأحداث هى طائرات سودانية وبعضها اسقطت منشورات ، بعدها جاءت طائرات الميج مخترقتا حاجز الصوت فوق سماء الجزيرة ابا، وهى مصرية ولم تقذف قنابل، وجد نظام مايو دعماً من الحلف الثلاثي ” الدفاع المشترك ” بينه و مصر و ليبيا. ولكن ليست هناك قوات فعلية من ليبيا أو مصر شاركت فى الأحداث فيمكن أن يكونوا مدوه بأموال أوسلاح أوأعطوه الفاتحة !
هل الأنصار لم يتمكنوا من استخدام السلاح الذى جاء من اثيوبيا كرسالة من الشريف حسين الهندى ؟
ابداً ..السلاح كان محدود، وفى تراث الأنصار عندما إنتصر الإمام المهدى على أبو السعود خرج مباشرة من الجزيرة أبا عبر منطقة الطويلة غرب الجزيرة أبا، ولما أبتعد المهدى من النيل تحسبا من أن يباغته الغزاة أراد أن يغسل السلاح من الدم فحفر بئراً فى منطقة اسمها (أغسلي) وحتى الان هذه المنطقة موجودة ثم ذهب الى العليقة الشيخ البشير ودمضوي ثم ذهب جنوبا وفي الطريق (العرب عيَّروه وقالوا له أنت (عرَّدت)؟، فقال لهم أنا ماعرَّدت لكن الفروة بطووها من طرفها، و هذه نظرة استراتيجية ، ثم ذهب إلى الملك آدم أم دبالوا ملك جبال تقلي فقال له أنا ماعندي شغلة بقصتك دي ولكن تقعد زى ماداير مافي زول بجيك هنا، آواه و أطعمه حتى إلتف حوله 7 الاف رجل، فذهب للابيض و طوى الفروة من طرفها، هذا تراث النصار الجهادي، فكيف يفوت عليهم ان لا يتعلموا منه الدروس و العبر.
الإمام الهادي لم يكن يرغب في القتال اساسا، و حتى الذين سجلوا موقف في منطقة (الكوة) كانت تعليماتهم ان يرفعوا لافتات و يرددوا هتافات فقط، لكن الأنصارى الذي استلَّ سكينه كان متحمسا و كهربته زايدة، و الرئيس النميري كان خائفاً.
ماالذي حدث بالضبط في الكوة ؟
الذي حدث أن النميري عندما وصل الى المكان المعد لاستقباله جاء الأنصار وهتفوا ورددوا شعارات “لاسلام بلا إسلام”، هؤلاء لم يرسلهم الإمام الهادي ولكن المنطقة منطقة انصار، أحدهم تحمس و إستل يسكنه و حاول طعن النميرى فقبضوا عليه، النميري قطع رحلته وذهب إلى كوستي، و قرر ان يضرب الجزيرة أبا، واضح أن هناك نية مبيتة لضرب الجزيرة أبا، وكان الهدف من زيارة نميري إخراج العملية، الإمام الهادي أساسا لم يكن مستعدا للمقاومة، ولا للحرب وفوجئ بهذه المسألة ، عندما بدات المواجهة في الجزيرة أبا خرج منها فور تمكنه من ذلك ليحفظ أرواح الناس، حتى مقاومة الأنصار للقوات الحكومية كانت دفاعا عن النفس .
بعد كل هذا التوثيق الكثيف لأحداث الجزيرة أبا و ودنوباوي ومقتل الإمام الهادي هل بالامكان نقل هذه القضية الى المحاكم الدولية كجرائم إبادة جماعية؟
محاكمة قتلة الإمام الهادي استندت على مبدأ قانوني، يجب أن نسعى لترسيخه، القاضي ذكر في حيثيات الحكم انه لا سبب يخفف على أحد عقوبة جريمة قتل إنسان ، ولو جاءت التوجيهات من أعلى جهة في الدولة ، و بالتالي لوكان في ذلك الوقت وجود للمحكمة الجنائية الدولية لكان هناك امرا آخر، لا يمكن لأحد أن يتجاوز مبادئ العدالة الطبيعية، المحكمة حينها حكمت على هؤلاء بالإعدام، ونحن عند عودتنا للوطن في بواكير الالفية الحالية فكرنا في رفع قضية ضد النميري لأنه لم يحاكم لغيابه عن السودان، و لكن النظام حماه، الآن بعض الذين نفذوا توجيهات النميري مازالوا أحياء، فقائد حامية الدمازين حينها، و الذي له صلة نسب باسرة الخليفة حكم عليه بالإعدام رغم أنه لم يشارك في التصفية، فقط لأنه نفذ توجيهات نميري بتصفية الاسرى، مما أدى لاغتيال الخال محمد احمد مصطفى حسن، كذلك ابوالقاسم محمد إبراهيم ” جزار الجزيرة ابا” لا يزال حيا كميت.
هل الآن لا توجد ضرورة لإعادة ملف أحداث الجزيرة أبا وودنوباوي والكرمك إلى المحكمة الجنائية على الأقل حفظا لحقوق الناس ؟
في تقديري قضية الأحداث في الجزيرة أبا و ودنوباوي والكرمك ليست خاصة بأسرة الإمام الهادي و لا الأنصار بل هي قضية الشعب السوداني، الجيش السوداني محتاج أن يبرئ نفسه من عبث جماعة النميري، أعتقد ان إثارة هذا الموضوع هي من باب معرفة الحقيقة، لنا أو علينا ، و في تقديري الفرصة سانحة لمناقشة هذه القضية، من عمنا ادعو مركز الامام عبدالرحمن للتراث و التوثيق، و كل من يرغب، ان نسعى لإستشارة الخبراء ، ليس لمناقشة أحداث الجزيرة وحدها بل لكل الأحداث المماثلة والتي فيها ضحايا أبرياء سودانيين نتيجة لمواقف سياسية .
هل هناك تحرك فى هذا الملف ؟
كان هناك تحرك ولكن طيلة الفترة الفائتة لم نفق من العساكر وظللنا مشغولين بأنفسنا.
ما الذي يمكن أن يكون ممسك ومعيد للحمة الأنصار كما كانوا فى عهد الإمام الهادي ؟
أساساً الإمام المهدي ثار ضد الظلم و استعان بالشئ الوحيد الذي يوحد السودانيين الا و هو الدين الإسلامى، ولذلك رفع راية الإسلام وهى تدعو لتكريم الإنسان، و لذلك إلتف حوله الناس، وأهم شئ جعل الناس تلتف حول المهدي هو أن قوله طابق فعله، فهو بدأ بجهاد النفس، كان منذ طفولته لا يغش، حتى انه رفض أن يصطاد السمك بالطعم ، و فى أحر درجات الحرارة في الصيف كان المهدي يتعبد في أسخن مكان هو الغار الفوق في جزيرة ابا، وفى الشتاء يذهب لأبرد منطقة ” الغار التحت” وهذا تطويع للنفس، الناس رأوا فيه هذا العلامات ، كانوا يزورونه و يتبركوا به ، السيد عبدالرحمن جاءه الجنوبيون وقالوا له أنت تريد الشريعة ولذلك لانذهب معك، فقال لهم الشريعة التي أريدها أنا هي التي تدعو إلى “مكارم الأخلاق في العبادات والمعاملات” وهذا إسلامنا الذي آمنا به ، الإسلام السياسي لا شأن لنا يه، الدين عندنا المعاملة ، أما الدعوة لتوحيد الناس كسودانيين فتأبا الرماح إذا اجتمعن التكسرا، واذا افترقن تكسرت آحادا، في تقديري ما حدث في السودان ان النمل تسلَّل من عيوبنا.
لكن كيف ندعو للتوحيد و مازال بعضنا يرضع من ثدي النظام ؟، كيف نساوي بين الذين اكتووا بجمر القضية منذ السبعينيات، وبين الذين تاجروا بدماء الشهداء وبعضهم الآن فى قصر غردون؟
يذكرني هذا أن مركز الإمام عبدالرحمن للتراث والتوثيق دأب على الإحتفال بذكرى الشهداء سنويا وفي 2017 إتصلوا بي، حينها كنت خارج الوطن، و طلبوا مني تسجِّيل كلمة اشارك بها في الاحتفال بذكرى الشهداء، فقلت لاتستطيعون اذاعتها فقالوا اترك لنا القرار في ذلك، أرسلت لهم كلمة بسيطة ،أن أهم شئ فى الأحتفال بذكرى الشهداء أن نحتفل بالمعاني التي كانوا يؤمنون بها و ضحوا بأرواحهم في سبيلها، وقفوا مع الحق وكان ديدنهم الثبات على المبدأ والوقوف مع قضايا الشعب السوداني و مطالبه في الحرية والكرامة و الديمقراطية، و قدم من الإمام الهادي وصحبه أرواحهم قربانا لها، و نحن اليوم نضع دماء هؤلاء الشهداء (دبورة ) كتوفنا، بعضنا يتاجر بها، وآخرون يرقصون بها مع الظالم.!
وماذا عن أحداث ودنوباوى ؟
لم أكن شاهداً على أحداث ودنوباوي ولكن وفقا لرواية العم قاسم مكي أن الأنصار بعد سماعهم ماجرى في الجزيرة أبا قرروا ان يسيروا موكباً يوم الأحد بعد صلاة الصبح إلى القصر الجمهوري إحتجاجاً على ماحدث في الجزيرة أبا، و طبعا الأنصار عندهم طريقتهم في المواكب،نتمنى أن تتكرر هذه الأيام، هم يخرجون في صفين وينشدون »الجلالة« ويكبروا ويمشون مشية عسكرية، والمعروف أن الأنصار يتحركون جاهزون منهم من يحمل سكينه ومنهم من يحمل سيفه، حتى عمة الأنصار هي كفنه، و إرسال مصلاته، مشوا حتى وصلوا كبري النيل الابيض، العسكر قفلوا الكبري، و رجع النصار بنفس النظام إلى و دنوباوي، و كعادة الأنصار بعد عودتهم من مثل هكذا مواكب يرددون نشيد “إلى الأمام إلى الأمام ياشباب الإمام” وهو نشيد قوي وبعد التكبير يتفرقون ، كان هذا في ساحة مسجد السيد عبدالرحمن بودنوباوي، في هذه الاثناء جاءت عربة كومر وهي تحمل عساكر واتخذوا سواتر بالقرب من الكبري بالجانب الشرقي وفتحوا النار دون انذار، الأنصار منهم من سقط ومن بقي منهم هاجموا القوة و أبادوهافي دقايق معدودة. بعدا حدثت مجزرة، الجامع والبيوت المجاورة لم تنجو من الرصاص والقذائف،احرقوا بقاذفات اللهب الشيوخ المسنين في مسجد الامام عبدالرحمن ، و دفنوا الشهداء بليل اخفاء لآثار الجريمة، مواقع قبور الأنصار غير معروفة بالتحديد حتى الآن و يقال ان بعضهم دفن جنوب مقابر حمدالنيل، شمال مدينة المهندسين حاليا.
(الوطن)