ماذا بعد؟؟ بقلم : أمجد هاشم
ونحن على أعتاب المؤتمر الاقتصادي يشهد الشارع السوداني حالة إستقطاب حادة ما بين مدرستين إقتصاديتتين مختلفتين وهو ما سيلقي بظلاله على طبيعة النقاشات المتوقعة خلف الأبواب المغلقة والتي بالتأكيد ستنقسم ما بين رؤية تعزز من حرية الإقتصاد وأخرى تفرض وصاية الدولة عليه مع ذلك علينا أن لا ننسى أيا كانت طبيعة النقاش بأننا لسنا معزولين عن ما حولنا وأننا نعيش في ظل نظام عالمي سائد تقلص فيه دور الدولة في الإقتصاد إلى حدود وضع السياسات الاقتصادية والتنموية العامة وتشريع القوانين المحصنة ضد الفساد وإستغلال النفوذ وتضارب المصالح…
والإضطلاع بتطوير البنيات التحتية (إنشاء الطرق والموانئ والمطارات ومحطات الكهرباء) وإستقطاب الإستثمارات الأجنبية وتوفير البيئة الجاذبة لها وتحفيز القطاع الخاص المحلي والإشراف المباشر على القطاعات المتعلقة بحقوق المواطن الأساسية (الصحة والتعليم والمواصلات) وتقديم الرعاية الإجتماعية للفئات الضعيفة وليس من مهمة الدولة إطلاقا في ظل هذا النظام العالمي العمل كتاجر يشتري ويبيع السلع أو كفاعل مباشر في عملية الإنتاج..
ما تقوم به الحكومة الإنتقالية الان من ملاحقة للازمات في الوقود والدقيق والسكر هو إستنزاف لطاقاتها وإهدار لوقتها فوزير التجارة بدلا من أن يطوف العالم لعقد الاتفاقات التجارية التي تعزز من القيمة التنافسية للصادرات السودانية ضيع الجزء الأكبر من الفترة الإنتقالية في الطواف على الأفران وتتبع وصول الدقيق ومنع تهريبه!!! و مثله وزير الطاقة والنفط بدلا من جذب الشركات العالمية للتنقيب عن الغاز والنفط في البحر الأحمر الذي تشير التقارير إلى إكتنازه بها ضيع وقته في معالجة الشح المتكرر في مخزونات الوقود…
علينا أن ندرك جيدا أن هذه الأزمات وهذه الندرة وهذه الصفوف لن تنتهي أبدا طالما ظلت حكومتنا تقدم دعم سلعي يكلف الدولة مليارات الدولارات في محيط إقليمي يعج بدول لا تدعم سلعها و تعتمد في وقودها ودقيقها على المهرب من سلعنا…
الأفضل للحكومة أن تفتح باب استيراد السلع للقطاع الخاص بدون إحتكار أو إمتيازات وفقا لمعايير الإقتصاد الحر التي إذا طبقناها فسنجد أنه حتى المؤسسات الإقتصادية التابعة للجيش والتي كثر اللغط حولها ستتآكل حصتها السوقية تدريجيا فور تعرضها للمنافسة العادلة الحرة…
كما أن التنافسية الحرة بين شركات القطاع الخاص وما ستتيحه من وفرة في العرض كفيل لوحده بتخفيض الأسعار لمصلحة المواطن ولتذهب المليارات المخصصة للدعم السلعي إلى مستحقيها الحقيقييين نقدا (Cash Down) كدعم مباشر كما هو حاصل الان في معظم دول العالم.
جميع الإقتصادات الناشئة في محيطنا الاقليمي والدولي بدأت نهضتها بعد أن تحولت إلى اقتصاديات السوق نائية بنفسها عن السياسات والتوجهات التحكمية ذات الطابع الاشتراكي التي كان بعضهم ينتهجها سابقا وهذا هو القاسم المشترك ما بين رواندا بنموها الإقتصادي المتسارع والهند بتطورها التكنولوجي الكبير و تركيا بنهضتها الصناعية المبهرة رغم الإختلاف بين هذه الدول في الظروف الجيوسياسية المحيطة والتفاوت في الموارد المتاحة لكل منهم فهذه الأقطار لم تنهض من فراغ كما ان الاشتراكيات البائدة لم تنهار من فراغ أيضا.