د.محمد ناجي الأصم لـ”اليوم التالي”:لم تسقط بعد.. لا نثق في المجلس العسكري وإنما في الشعب السوداني
حوار: الزين عثمان
عتبة أولى
ثورة ديسمبر السودانية لم تكن لتكتفي بإنهاء حقبة ديكتاتورية الإنقاذ، وجعل المشير البشير حاكماً من التاريخ، وإنما ذهبت في اتجاه صناعة قادة البلاد الجدد الذين خرجوا للحياة في ذات حقبة يونيو الأغبر، كانت الثورة تصنع رموزها مؤكد أن أكثر المؤثرين فيها هو تجمع المهنيين السودانيين، الذي أوصل الشباب من خلال تخطيطه إلى القيادة العامة، وصار الفاعل الأكثر تأثيراً بالتزامن مع مؤتمر وفد التفاوض الخاص بتجمع المهنيين. جلست (اليوم التالي) إلى عضو سكرتارية التجمع ممثل لجنة الأطباء، محمد ناجي الأصم، الذي قلّب في الحوار التالي مواقف التجمع مما يحدث والرؤى التي يتبناها في سبيل تحقيق الانتقال في البلاد، يحدد صاحب الثلاثين عاماً الخط العام الذي يحكمهم، ولن يحيدوا عنه، فالتجمع لن يترك مناصريه يغادرون ميدان الاعتصام في الوقت الراهن، ويجدد رفضه التام لـ(عسكرة) الدولة. يقول الأصم إنهم لم ينتصروا بعد وإنها لم تسقط تماماً، وإن سقوطها يتحقق في لحظة تكوين حكومة مدنية يمثل فيها العسكر وتسعى لتحقيق أهداف الثورة في سودان تسوده الحرية والسلام والعدالة.. في التالي من حروف تتابعون إفادات محمد ناجي الأصم..
خطوط الحوار
*بعد أربعة شهور هل بإمكاننا القول إن الثورة انتصرت؟
الثورة فعل يتخذ شكل الديمومة والاستمرارية النقطة المحورية فيما حدث في الحراك الأخير، وما جعله يصل إلى ما وصل إليه الآن كان هو الفعل المرتبط بالاستمرارية. معركة السودانيين ضد عصابة يونيو لم تبدأ في نهاية العام 2018، هي بدأت بالفعل منذ صبيحة الانقلاب، لم ننتصر بعد ولكن المؤكد ألا قوة بإمكانها أن تهزم إرادة الشعب.
*الإطاحة بالبشير ومن بعده ابن عوف وإطلاق سراح المحكومين واعتقال رموز النظام السابق.. كل ذلك ولم تنتصروا بعد؟
في البدء دعيني أقول وبمنتهى الصراحة، إن كل ما حدث الآن من عبور نحو ضفاف أخرى هو كسب الشارع السوداني وشبابه، الذين قدموا دماءهم وأرواحهم وحريتهم فداءً لهذه اللحظة، هذه الثورة ليست ثورة (تجمع المهنيين)، هي في الأصل ثورة السودانيين الذين خرجوا من أجل تحقيق تطلعاتهم وصناعة وطن يليق بهم، وطن للحرية والديمقراطية والمساواة والاستقرار، ما لم يتحقق ذلك فليس أمامنا غير ترديد عبارتنا (لم تسقط بعد).
*ومتى ستقولون إنها سقطت تماماً؟
نحن لم نفعل كل الذي فعلناه لنستبدل عسكراً بعسكر، أو إسلاميين بآخرين، سنقول إنها سقطت تماماً حين يتم تحقيق الأهداف التي تم الإعلان عنها في ميثاق الحرية والتغيير، أولى خطوات سقوطها هي أن نقيم حكومة مدنية بتمثيل عسكري، وعند حل المؤتمر الوطني والأجهزة القمعية غير الرسمية من كتائب ظل وأمن طلابي وإعادة هيكلة جهاز الأمن والمخابرات الوطني، بتفكيك هيئة العمليات فيه، وتحويل الجهاز إلى مؤسسة هدفها الرئيس جمع المعلومات وتحليلها، سنقول إنها سقطت في اللحظة التي يتم فيها تقديم كل المسؤوليين عن ضحايا الموت للقضاء ونيلهم جزاءهم المستحق.
*باعتبار عضويتك في وفد التفاوض ثمة من يتهمكم بالتعنت في المواقف والعمل على استدامة الأوضاع على ما هي عليه؟
إن كنت تقصد المواقف المعلنة لتجمع المهنيين في ما يتعلق برسم الخارطة المستقبلية للبلاد، فهي محددة سلفاً في مقررات ميثاق الحرية والتغيير، فإن كان التعنت في المطالبة بحكومة مدنية أو محاكمة رموز النظام السابق أو القصاص للشهداء، فإن لم نحقق ونسعَ لهذه الأهداف فلماذا ثار الشعب في الأصل؟
*لكن عقب مخاطبة وفد التفاوض للمعتصمين ثمة رسائل بمقبولية الفريق البرهان وإمكانية الاتفاق معه؟
بشكل عام لا يمكن نفي أن ثمة اختراقات حدثت في بعض الملفات وعلى رأسها ملف إطلاق سراح المعتقلين السياسيين ومعتقلي الطوارئ وعلى رأسهم هاشم ود قلبا والبوشي مع تحركات في اتجاه وضع الأيادي على ممتلكات المؤتمر الوطني واعتقال بعض رموز النظام السابق، وإلغاء القوانين المقيدة للحريات، هذه خطوات إيجابية لكنها في المقابل لا تعني أننا وصلنا إلى ما نبتغي.
*هل يعني هذا الأمر أنكم تثقون في مجلس الفريق برهان العسكري؟
نحن لا نثق إلا في الشارع السوداني وفي المطلوبات الجماهيرية لجموعه، وفي ما يتعلق بموقفنا من مجلس برهان فقد أعلنا رأينا فيه بصراحة، وذلك من خلال المطالبة بحله واستبداله بمجلس سيادة مدني مع تمثيل للجيش فيه، وقضيتنا المركزية هي انتقال السلطة بشكل تام لمجلس سيادي مدني بتمثيل عسكري.
*لكن ثمة من يقول بتراجع الثقة الشعبية في التجمع بناءً على مواقفه الأخيرة؟
الحقيقة أن التجمع لم يبدأ الحراك الاحتجاجي ولكنه تقدم لقيادته، وهي الخطوة التي وجدت قبولاً منقطع النظير من الكثيرين، وهو أمر حدث فقط لإحساس الكثيرين بأن التجمع يمثلهم، والعبارات التي يتم تداولها الآن حول عدم تمثيله لبعض الفئات ليست مخيفة بقدر ما يمكن أن يأتي الخوف من تراجع مسيرة انتزاع الوطن بكامله وتحقيق غايات الثورة، لأن أي تراجع للخلف سيدفع الجميع فاتورته وستكون هذه المرة باهظة جداً، التجمع نفسه ليس جسماً سياسياً بالمعنى المتعارف عليه، هو جسم تحالفي ذو طبيعة أفقية وليست رأسية.
*يفسر البعض ما يحدث الآن داخل مكونات تحالف الحرية والتغيير بأنه تهافت على السلطة في ثورة لم يصنعوها؟
إن كنتِ تشيرين للاختلافات السياسية بين بعض المكونات، فهي خلافات عادية تحدث بين أي تحالف لكنها تظل خلافات لن تؤثر بأي حال من الأحوال على الموقف العام داخل بنية التحالف، وهو محكوم بشكل كبير بما تم التوافق عليه في ميثاق الحرية والتغيير، كل الموقعين على الميثاق يسعون حثيثاً لتحقيق أهدافه على أرض الواقع، وكل الأمور على درجة عالية من الترتيب ومكونات التحالف تعمل بانسجام عالٍ ودون مشكلات.
*ثمة من يخاف أن تساهم “التكتيكات” الحزبية في تفكيك التحالف؟
قد تبدو هذه المخاوف موضوعية من ناحية، مؤكد أن التباينات من شأنها أن تؤثر سلباً على حراك التحالف بشكل عام، لكن في المقابل فإن الأمر يظل تحت السيطرة في ظل توفر قيم الوعي بضرورات تحقيق الهدف وبوجود هذا الشكل من الاصطفاف، لعل واحداً من أهم نجاحات تحالف الحرية والتغيير هو نجاحه في خلق وحدة لكيانات المعارضة بشكل مختلف تماماً عن كافة الأشكال السابقة، وأن هذا الأمر سيستمر وأن تأثيراته لن تصل إلى عمق الحراك.
*لكن هذا الأمر نفسه ربما يقود لانفضاض الناس عن التجمع باعتبارات تحوله إلى جسم سياسي؟
في البداية قلنا إننا لسناً جسما سياسيا بالمعنى المفهوم للأجسام السياسية، نحن مجموعة تطابقت بينها الرؤى لتحقيق هدف وهو هدف إسقاط نظام الإنقاذ وتصفيته بشكل كامل، من أجل فتح الباب أمام السودانيين للعبور نحو المرافئ الآمنة وهو الهدف المحسوم والذي يسعى الجميع الآن لتحقيقه بما في ذلك من يظن البعض أنهم مختلفون لكنهم حتماً سيتفقون على إنجاز الهدف الأخير، مؤكد أن خلافاتنا السياسية لن تجعلنا ننقض غزل شعبنا بعد أن وصل إلى هذه المرحلة.
*ارتفعت المطالبات الآن بضرورة فض الاعتصام والعودة للحياة الطبيعية؟
لن نفض الاعتصام ما لم تتحقق الأهداف التي خرجنا من أجلها، قوة هذا الحراك تبدو بشكل كبير في التفاف الجماهير حوله والاعتصام نفسه تعبير عن هذه الحالة، مؤكد أن مغادرة الميدان الآن دون التصفية التامة لمؤسسات النظام البائد، تعني أن نضع رقابنا مرة أخرى في مقصلة الجلاد، وأن نعود مرة أخرى، فنصف ثورة هي موت كامل.
*تقولون إن حكومتكم المدنية جاهزة لتقديمها للمجلس العسكري، فهل ستتم بناءً على محاصصات حزبية؟
ستكون الحكومة المقبلة هي حكومة للكفاءت بغض النظر عن منطلقاتهم السياسية أو العرقية أو الدينية، لكن قبل أن نصل لحكومة الكفاءات فإن ثمة ضرورات قصوى بضرورة حل المجلس العسكري الحالي وتكوينها، ومؤكد أن ذلك سيضع الجميع في الطريق الصحيح.
*تحدثتم في اجتماعكم مع المجلس العسكري عن ضرورة حل حزب المؤتمر الوطني، ولكن ممثله ظهر في اجتماع القاعة؟
المجلس العسكري قدم لنا ضمانات بعدم مشاركة الوطني في الحكومة الانتقالية، أما في ما يتعلق باجتماع قاعة الصداقة فلم نكن جزءاً منه، لأننا اجتمعنا مع المجلس وقدمنا رؤية تحالف الحرية والتغيير لمستقبل البلاد، ولسنا من نحدد للمجلس العسكري من يجتمع معه، فهذا الأمر يخصه ومن شأنه هو، وما يهمنا هنا هو موقفنا الواضح من المؤتمر الوطني وضرورة حله ومصادرة موارده لصالح السودان.
*بدا وكأن استقطاباً إقليمياً يحاول أن يتدخل في الحراك السوداني، فما موقفكم منه؟
بالطبع لا يمكن فصل البلاد عن مساراتها الإقليمية في ظل تبادل المؤثرات، لكن في ما يتعلق بحالة الاستقطاب فالمؤكد أن هذه الثورة هي ملك خاص للسودانيين وأنهم وحدهم من يحددون مساراتها وليس قوى أخرى. أما في ما يتعلق بالمواقف الدولية فنحن في تجمع المهنيين نرحب بكل موقف داعم لضرورات التحول المدني في البلاد.