ملاحظات على مؤتمر وزير المالية … بقلم: د. سبنا امام
استمعت لمؤتمر د.البدوي واحب ان اورد الملاحظات التالية حسب رؤيتي المتواضعة:
اولا بالنسبة لموضوع الفاخر وبعيدا عن الامور الذمية والتي ليست موضوع هذا البوست اعتقد ان التعاقد مع الفاخر لتصدير الذهب مقابل شراء القمح والدواء والوقود هي خطوة اسعافية جيدة رغم ما يكتنفها من مخاطر و عيوب لانها ستعتق البلاد من البقاء تحت رحمة السعودية والامارات والمنح التي عزفت اغلب الدول عن تقديمها لدعم الحكومة الانتقالية وهي طريقة unsustainable وادخلت البلاد في عنق الزجاجة . اذ ليس من المنطق ان تنتج دولة مئة طن ذهب وتعجز عن توفير احتياجاتها من المواد الأساسية . هذا خلل ودخولل الحكومة في تعاقد مع مصدر فرصة للحصول على المعلومات وتسخير جزء من العوائد لحل ازمة في الاقتصاد فقد كنا نخسر هذه العوائد باي حال.فلو التزمت الفاخر ستحل تماما مشكلة الصفوف . ويمكن ان تركز الحكومة بعدها في مجابهة الازمات الاخرى فالاقتصاد ليس بخير. كما ان الخطوة الاخرى الجيدة هي اخراج المركزي من تصدير الذهب وهي خطوة الرابح الاكبر فيها هو المركزي اذ ان تجارة الذهب ليست من ادواره وهو طرف غير محايد حيث ان قرارته المتعلقة بالسياسة النقدية تؤثر على سوق الذهب هذا فضلا عن انه يشكل تدخلا حكوميا غير محمود في احد اهم قطاعات الاقتصاد. ولكن هذه الخطوة مثلها مثل اي سياسة اقتصادية تحقق اهدافها ولكن تصاحبها side effects سيئة تتمثل في ان هنالك شبهة clientelism في الطريقة التي تم بها التعاقد. وهذا يعني ان التعاقد بينبغي ان يتم بطرف ثالث وليس بشكل مباشر بين الوزارة والشركة. الاثر السلبي الثاني هو امكانية ان تكبر شركة الفاخر بمرور الوقت وتتغول على تجارة الذهب ومايستصحبه من اثر سيء على تنافسية تجارة الذهب. ولكن نلجأ كاقتصاديين احيانا لتقديم بعض الخدمات او السلع بشكل احتكاري فيما يعرف بالتنافس الاحتكاري خاصة عندما تكون السلعة او الخدمة استراتيجية مثل النقل والطاقة او الازمات. وفي حالة الذهب المعني ليس سلعة الذهب ولكن الوقود والقمح والدواء. واتمنى فقط ان لاتكون وراء هذة الشركة مرة اخرى مخابرات دول اخرى تقدم الذهب مقابل الغذاء.
ثانيا فيما يتعلق بارتفاع الدولار الجنوني يعلم كل متابع ان الاحتياطي الفدرالي الامريكي قد خفض سعر الفائدة بواقع نصف نقطة لتحفيز الاقتصاد تحسبا للكساد المتوقع مع انتشار كورونا وتراجع الاقتصاد الدولي. وكما هو معلوم مع انخفاض سعر الفائدة يقل الطلب على الدولار لان المودعين يحولون اموالهم للدول التي تمنح سعر فائدة اعلى مثلا الدول الاوروبية فيزيد الطلب على اليورو مقابل الدولار. وعليه فزيادة الدولار في اليومين المنصرمين هي مدفوعة بفعل الهلع والمعلومات غير الدقيقة عن نشاط شركه الفاخر في سوق الذهب والواقع ان الدولار سيتراجع حال زوال هذا المؤثر. فيما يتعلق بارتفاع الذهب ارتفع سعر جرام الذهب عالميا بواقع 50دولار منذ توارد الانباء عن انتشار كورونا خارج الصين وتراجع عوائد السندات نتيحة لقرار الفدرالي خفض سعر الفائدة . لان الذهب هو افضل مخزن للقيمة وقت الازمات وبالتالي زاد الطلب العالمي عليه وارتفع سعره وعليه فان الارتفاع لا يعود لنشاط الفاخر في الشراء وان كان لهذا دور جزئ ولكن ليس وحده فالذهب ارتفع وسيوالي ارتفاعه مع انتشار الفيروس .وهنا اود ان انبه لضرورة الاستفادة من هذه الwindfall profits. بزيادة انتج وتصدير الذهب فهي قد تجلب اموال ضخمة للخزينة وتساهم في سد عجز الموازنة.
ثالثا علينا ان نعلم ان الاقتصاد قد سجل تراجعا في النمو على مدار السنتين المضايتين بواقع 46% فقد انحدر النمو مثلا من 4.3%في العام 2017الى 2%- في العام 2018 وكذلك 2019. وهذا هو السبب الرئيس في التدهور المريع الذي يشهده الاقتصاد ولكنه طبيعي عطفا على الاحداث التي شهدها السودان والمخاض العسير لاسقاط النظام فقد تشبث البشير وانفق اموال طائلة لدحر التظاهرات و تعطلت عجلة الانتاج وطبعت النقود مما فاقم من انكماش الاقتصاد بفعل التضخم وسياسية تحديد السحب النقدي. وكذلك ما تلاه من احداث فض الاعتصام وتاخر تكوين الحكومة ولن يستعيد الاقتصاد معدل النمو في 2017 قبل نهاية العام ولكنه مستوى ممكن بمعطيات الاقتصاد الحالية. ولو تم رفع السودان من قائمة الارهاب بنهاية العام فان ذلك سيمثل دفعة كبيرة.
واخيرا ما نحتاجه على المدى القصير هو الشفافية واخذ المعلومة العلمية الدقيقة عبر النظر لمؤشرات الاقتصاد الكلي. وما نحتاجه في المدى الطويل هو مشروع اقتصادي سوداني لا يرتكز على المنح والقروض ولا يرتبط بالبنك او الصندوق وشروطهما القاسية (وانا هنا لست على عداء مع المؤسستين ولكن اعيب عليهما ان ال mission التي يبعثونها تقدم دائما نفس الوصفة لكل الدول النامية بغض النظر عن الفروقات الاجتماعية والديموغرافية والاقتصادية وذلك مفهوم لانهم يتبعون المدرسة النمساوية التي تفترض التعميم او ال generalization. وهو ذاته النقد الذي يوجه لهذه المدرسة وهو عيب التعيم فالواقع معقد ومختلف باختلاف الاقتصادات ويمكنني ان قول هنا ان اغلب نصائح البنك تضحدها الdata والتي عادة ما تروي قصة مختلفة عن الاقتصاد السوداني وهذا موضوع اناقشه في مساحة اخرى). نحتاج لبرنامج تمدد راسي في الزراعة لمدة ثلاث سنوات بغرض سد الاحتياج وليس التصدير فالمنافسة في الاسواق العالمية صعبة في المدى القصير . ومن ثم الانتقال للتوسع الافقي بقيام agriculture_based intensive industrilization. وبين المديين انشاء بنية تحتية للصناعة.
وقبل كل ذلك الاستناد للمعلومة الدقيقية بدعم الجهاز القومي للاحصاء والاستفادة من البحوث وخاصة التي يقوم بها الاكادميين السودانيين ومراكز البحث العلمي واستصحابها في آلية اتخاذ القرار عبر تكوين مجلس من كبار الخبراء ينتخب اعضاءه ممن لهم track record of succes في البحث العلمي الرصين ليمثلوا عقل الاقتصاد ا ويقدموا policy orinted research.
واخيرا علينا ان نعلم الاقتصاد اكبر من اي حزب او حكومة او جيش فبقاء اي نظام يتناسب طرديا مع قدرته على ادارة ملف الاقتصاد فكما قال روتشيلد اعطني السيطرة على المال في بلد ما ولا يهم من يضع القوانين بعد ذلك. وكلمة السر للاقتصاد الناجح هي المعلومة الصحيحة و البحث العلمي و المؤسسات الخالية من الفساد والانتاج.