أبيي: فرصة جديدة لحل نزاعات قديمة … بقلم: جون بيندرغراست، وبراين أديبا .. ترجمة آرثر غابرييل
لسنواتٍ عديدة، ظلّت قضية منطقة أبيي الحدوديّة تقبع في طريقٍ مسدود. الوقت الحالي، يتطلّب تقديم مقترح جديد يعتمد على المشاركة بدلًا مِن أن يأخذ الطرف الرابح كل شيء.
في ظلّ الحماس المُهتاج حول تطور النظام السياسيّ في السُّودان، والمخاوف بشأن التحديات الّتي تُجابه جنوب السُّودان، قليلة هي الاهتمامات الّتي أُوليّت لبعض القضايا طويلة الأمد وما تزال محل نزاع، ومن المحتمل أن تخلق فوضى عارمة جديدة. احدى هذه القضايا، هي المنطقة المُتنازعة عليها بين السُّودان وجنوب السُّودان والمعروفة ب أبيي.
إنّ الفرصة الّتي خُلِقَت بتأسيس حكومة مدنيّة جديدة في السُّودان عقب سقوط عمر البشير، تُقدّم أمل قويّ بأنّ قضيّة أبيي، يُمكن أن تُطرح مِن جديد.
بحكم موقعها الحدوديّ، ظلّت منطقة أبيي متنازعة عليها منذ استقلال جنوب السُّودان في عام 2011. في الفترة الّتي سبقت استفتاء الاستقلال، انخرط كل مِن الخرطوم وجوبا في جدلٍ عنيف عمّا إذا كانت المنطقة تتبع إلى الشمال أو الجنوب. في البداية، كانت تُنظر إلى النتيجة للأهمية الخاصة المرتبطة بوجود احتياطيات نفطيّة كبيرة في الإقليم. وقد تحوّل التركيز إلى الأهمية الاقتصاديّة والسياسيّة الاجتماعيّة للمنطقة رغم إصدار محكمة التحكيم الدائم في هيغ قرارها بأنّ حقول النفط خارج أبيي.
في النهاية اتفق الطرفان على أنّ وضع أبيي يجب أن يُقرّر باستفتاء منفصل في يناير 2011، ذات تاريخ تصويت استقلال جنوب السُّودان. رغم ذلك، تمّ تأجيل التصويت نتيجة لخلافاتٍ حول مَن يحقّ له التصويت. تحاجج جنوب السُّودان بأنّ دينكا نقوك فقط، المقيمين في أبيي بصورةٍ دائمة، يحقّ لهم التصويت. بينما أصرّ السُّودان على أنّ المسيرية، وهم مجموعة من العرب الرُّحَّل المقيمين في المنطقة بصورةٍ موسميّة، يحقّ لهم التصويت أيضًا.
كانت تلك، نقطة حرجة!
وفقًا للتقييم الَّذِي أُجريّ في عام 2008 فإنّ تعداد سكان ولاية غرب كردفان، وهي موطن المسيرية، تبلغ 1.3 مليون نسمة. وتعداد سكان دينكا نقوك 200,000 نسمة فقط. هذا يعني، إن صوّتت المسيرية في الاستفتاء ستصبح منطقة أبيي جزء من السُّودان، مع اعتبار أنّ غرب كردفان ولاية في السُّودان. أمّا إذا كان دينكا نقوك فقط هم من يحقّ لهم التصويت فالنتيجة ستكون عكسيّة. في الواقع، إنّ استفتاءً غير موافقة عليه كان قد أُجري مِن طرفٍ واحد في أكتوبر 2013 حيث صوّت دينكا نقوك، بالإجماع تقريبًا، لصالح الانضمام إلى جنوب السُّودان.
وسط هذا الخلاف المتواصل، ظلّ وضع أبيي في طريقٍ مسدود. لإحراز تقدمٍ، اقترح السُّودان تكوين إدارة مشتركة في المنطقة، بينما يصرّ جنوب السُّودان على أنّ الحل الوحيد يكمن في إجراء استفتاء للمنطقة.
المساومة، بدلًا أن يأخذ الرابح كل شيء:
كما تبدو الأمور، يُسيطر كلٍ من السُّودان وجنوب السُّودان على أجزاءٍ مِن المنطقة، وأنّ القوات المسلّحة المسموح بتواجدها هي قوة الأمم المتحدة الأمنيّة المؤقتة لأبيي (يونيسفا). الغالبية العظمى لهذه القوى هي البعثة الإثيوبية لحفظ السّلام الّتي ساعدت في الحيلولة دون العودة إلى حربٍ حدودية كاملة، رغم عدم تمكنها من إيقاف العنف تمامًا. مؤخرًا، في شهر يوليو 2019 هاجم أفراد مجهولين قوات حفظ حفظ السّلام التابعة ليونيسفا وقتلت جنديًّا وخمسة مدنيين.
للمضي قدمًا، يتطلّب مستقبل أبيي وساطة مُدعّمة دوليًٌا. اقترح البعض أنّ على هذه الوساطة دعم انشاء ادارتين منفصلتين لدينكا نقوك والمسيرية على التوالي، بيد أنّ هذا الإجراء المؤقّت سيؤجّل القضيّة، عِوَضًا عن حلّها.
أفضل السبل لحل القضية بإخلاص، هو أن يعود السُّودان وجنوب السُّودان إلى الطاولة من أجل الوصول إلى تسوية. بإمكانهما الإتفاق- بصرف النظر عن إلى أيه دولة سينضم إليها أبيي في نهاية المطاف- على أنّ موارد المنطقة مثل المعادن والنفط، يجب أن يقسّم وفقًا لصيغةٍ يتم التفاوض حولها. وسيشمل هذا، الموارد المكتشفة، والٌتي ستُكتشف في المستقبل.
أيضًا، باستطاعة الطرفين الوصول إلى اتفاق عمّا إذا كان أبيي سيُصبِح جزء من السُّودان أو جنوب السُّودان. وأن يستمر دينكا نقوك والمسيرية في مشاركة الأرض كما ظلّا يفعلان ذلك، تاريخيًا، ولأجيالٍ لا تُحصى. سيسمح هذا الحل بالتكامل المستمر لسُبُل عيش هاتين المجموعتين، وهو أمرُ ذات أهمية قصوى لهذه المجتمعات المحلية، لكنّها أقلّ أهمية للمسئولين في الخرطوم وجوبا.
من هذا المنطلق، يمكن لكبار أعيان دينكا نقوك والمسيرية التفاوض حول تسوية تقسيم الموارد. إلى وقتٍ قريب، أتاحت الاتفاقيّات التقليديّة لكلا المجموعتين استخدام الأرض، نقاط المياه، والموارد عبر الحدودية، إضافةً إلى حفظ السّلام.
قد يسمح هذا النوع من التسويّة إلى بلوغ حلٍ دائمٍ لقضية أبيي. على طول المناطق الحدودية لدولتي السُّودان وجنوب السُّودان، نجد أنّ الأسباب الاقتصادية والوصول إلى الموارد هي العوامل المُحرّكة للصراع والنزاعات. بفصل هذه العوامل، وتضمين ممثليّ جوبا، الخرطوم، دينكا نقوك، والمسيرية في المحادثات، يمكن الوصول إلى حلٍ جديد يعتمد على المشاركة والتقسيم بدلًا من الاقحام في نزاعٍ مفاده أن يأخذ الرابح كل شئ.
تُقدّم الادارة السياسيّة الجديدة في السُّودان فرصة طازجة لكلا الطرفين لمناقشة قضية أبيي كجزء من مجهودات أكبر لإنهاء كل النزاعات بين الجارتين، والحيلولة دون حدوث تصعيد حدوديّ في المستقبل. وسيأتي هذا الحل بتعاونٍ وفوائدٍ اقتصادية كبيرة للطرفين.
بناءً على الزيارة المؤخرة الّتي قام بها رئيس وزراء السُّودان الجديد عبدالله حمدوك إلى جنوب السُّودان، يجب على الحكومتين أن يهدفا إلى بناء علاقاتٍ اقتصادية تعود بالفائدة إليهما، ودعم مبادرات السّلام في كلٍ من الدولتين.
حل النزاع حول منطقة أبيي قد يكون حالة اختبارية لمقترح تعاوني واقتصادي جديد للعلاقات بين الدولتين؛ دولتين تاريخهما المُتقلّب، يحتاج إلى سبيل جديد يمضي بهما قدمًا.
–-——————
– جون بريندرغاست، مشارك مؤسس لمنظمة ذَا سنتري ومدير مؤسّس ل مشروع كفاية
– براين أديبا، نائب مدير سياسات مشروع كفاية.