الرواية عن الرواية الخارج عن معطف غوغول

الرواية عن الرواية الخارج عن معطف غوغول
إسراء الأمين الريس 2022م
رؤية جمالية
بقلم… صلاح محمد الحسن القويضي

الرواية عن الرواية / رواية “المخطوطة”

لعل أول ما قرأته من نصوص “الرواية عن الرواية” أو الرواية القائمة على فكرة المخطوطة، هي رواية “الشيطان يزور موسكو … المعلم ومارغريتا” الذي بناه ميخائيل بولغاكوف على مقولة “المخطوطات لا تحترق”. ثم توالت قراءاتي للروايات المبنية على “مخطوطات” أو استحضار شخوص السرديات، أذكر منها “عزازيل” ليوسف زيدان، ورواية “المنتحل” للصديق اللدود عثمان شنقر، والتي التي ستصدر قريبًا عن دار “نينوى” السورية. كما قرأت عددًا من القصص القصيرة القائمة على ذات الفكرة، أذكر منها مجموعة (مخطوطة البصاص بعد كابوسه الأخير” للروائي / القاص / الشاعر / الناقد عادل سعد يوسف وقصة “ساحة باروكا” للقاص الشاب محمد حسن النحات.
وقد حظيت مؤخرًا بقراءة “مخطوطة” رواية “الخارج من معطف غوغول” للروائية الشابة إسراء الأمين الريس. وهي الرواية التي فازت بتقديرية جائزة الطيب صالح التي ينظمها مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، في دورة هذا العام 2022م. ورغم أن الرواية هي العمل الأول لإسراء إلا أنها حققت، في رأيي نجاحًا لا بأس به، يجعلها جديرة بالقراءة والاقتناء، مقارنة بالعديد من الروايات التي صدرت مؤخرًا.
لا أود أن أفسد على الصديق عثمان شنقر وقراء روايته متعة اكتشاف نصه السردي القادم. لكنى اشير انه قائم على ذات “النسق” الذي قامت عليه القصة القصيرة “ساحة بروكا” لمحمد حسن النحات، في استحضار شخصية بت مجذوب من رواية “موسم الهجرة للشمال” للطيب صالح وشخصية إستبان من “قصة أجمل غريق في العالم” لغابريل غارثيا ماركيث، وإخراجهما من صفحات “الروايتين” ليمنحهم حياةً جديدة، بكل تفاصيلها. بينما أعاد عثمان شنقر بعث شخصية أكاكي أكاكيفيتش، بطل قصة “المعطف” لغوغول وشخصية (باتيست غرونوي) بطل رواية “العطر” لباتريك زوسكيند “ليعيش” معهما فصول روايته الممتعة مازجًا بين ملامحهما السردية وملامح “شخوص” رواية “المنتحل”.
اما إسراء الأمين الريس فقد عمدت إلى كتابة “سيرة السيد ميخائيلوفيتش على ضوء “شغفه / شغفها” البالغ بالقصاص الروسي غوغول وقصته الطويلة “المعطف” و”تقاطعاته / تقاطعاتها” في قراءته لسرديات روسية عديدة منها رواية ميخائيل بولغاكوف “المعلم ومارغريتا”. وهي الأخرى، كما أسلفت رواية قائمة على فكرة “المخطوطات لا تحترق”. وخلال سرديتها تبدي إسراء معرفة عميقة بالأدب السردي الروسي. وهي معرفة مفهومة ومتوقعة بحكم عملها “كوراقة” ثم كناشرة.
النص الاستهلالي:
تبدو ملامح فكرة “الكتابة عن الكتابة” جلية منذ الاقتباس الاستهلالي الذي صدرت به إسراء سرديتها حين استعادت مقولة بورخيس:
(إنني أعتبر نفسي قارئًا في الأساس. وقد تجرأت كما تعرفون على الكتابة، ولكنني أظن أن ما قرأته أهم بكثير مما كتبته، فالمرء يقرأ ما يرغب فيه، لكنه لا يكتب ما يرغب فيه، إنما ما يستطيعه.)
وهو نص سيسير مع القارئ طوال قراءته للسردية من خلال الاقتباسات داخل النص (النبي” لبوشكين) التي أوردتها الروائية كاملة في الصفحة 11 من الرواية. كما يتجلى جدل (القراءة / الكتابة) في العديد من “مقاطع” الرواية التي يستعرض فيها شخوصها “قراءاتهم” ل “كتابات” سابقة لهم:
)- بولغاكوف لديه مخيلة واسعة ولا أشك أن كتابته في المسرح ساعدته على أن يكتب بهذا الأسلوب الصاخب حتى أنك تشعر أن هناك ممرات سرية في مخيلة هذا الكاتب ليس سهلا أن تجدها، إن رواية المعلم ومارغريتا من الممكن أن تقرأ برؤى عديدة لشدة ما يمكن أن تثيره من جدل بسبب الفانتازيا في القصة وعوالمها السحرية وشخصياتها التي تقف بين النور والعتمة، الحكمة والحماقة، الحب والكراهية، الوفاء والخيانة، الفرح والحزن، الخدعة والطرفة. رواية متشابكة متداخلة وهي من الروايات الفريدة والتي توضع في خانة الروايات العبقرية لأنها جمعت ما بين الخيال السحر والدين الفلسفة والسخرية
لا يدري كم من الوقت مر ولكنه أنهى قراءتها في زمن قياسي، كانت الرواية تطرح الكثير من الأفكار بعضها واضح للعيان والبعض الآخر يختبئ بين السطور، مثيرة على نحو خاص أشبه ما يكون بحفل صاخب حين ينتهي تجتاحك رغبة عارمة في الذهاب إلى السرير والنوم عميقا كالعائد من معركة.
تتناول الرواية العلاقة بين الخيال والحب والحياة والحقيقة. رسم فيها بوشكين تنوع حياة النبلاء الروس في مطلع القرن التاسع عشر، لذلك سميت الرواية بموسوعة الحياة الروسية) ص 38
والنص المجتزأ هو مجرد “مثال” لمقاطع أخرى بدت لي أشبه “بالنقد” منها “بالسرد”. ورغم انها وردت على لسان الشخصية / الشخصيات المحورية، وهي شخصيات تنتمي للكتب والمكتبات، إلا انني كقارئ أعتقد انها اخذت مساحة أكثر مما يجب.
2
تقنيات السرد في “الخارج من معطف غوغول”
تعدد تقنيات السرد من أهم أدوات التشويق الروائي. فالسرد المنساب على وتيرة واحدة يبعث روح الملل في القارئ ويجعله يقفز متخطيًا السطور وربما الصفحات بحثًا عنما هو أكثر تشويقًا. وفي سرديتها الأولى، لجأت إسراء الأمين إلى تنويع “أساليب” السرد في محاولة للحفاظ على “إيقاع” متابعة المتلقي للقراءة.
الحوار في (السرد)
لجأت الكاتبة إلى “إدراج” مقاطع حوارية متعددة في سرديتها. ورغم أن هذه المقاطع “الحوارية” ساهمت فعلًا في “كسر” رتابة السرد إلا أنها قد “طالت” أحيانًا مما جعلها، عندي على الأقل، “حاجز” صد في بعض اللحظات بدلًا من أن تكون “محفزًا” لمواصلة القراءة. ففي واحد من هذه “المقاطع” يستمر الحوار مستغرقًا أكثر من عشرة صفحات (على الأقل) من صفحات الفصل الأول البالغ عددها أربعة عشر صفحة.
الوصف في السرد
معادلة التناسب بين “الوصف” و”الحكي” من أهم أسس جماليات الكتابة السردية. وبينما يتميز “الوصف” “بالسكون”، فإن الحكي يتميز “بالحركي”. هل كانت هناك ثمة ضرورة لإيراد 462 كلمة، في صفحتين وبضع سطور من الوصف المتواصل في السردية؟ وهل من بدائل ممكنة؟ سؤال ننتظر إجابة عملية له في أعمال إسراء القادمة. كما أن الوصف ذاته ينبغي ألا يكون تقريريًا جامدًا كما ورد في الصفحة السادسة من الرواية المعنية.: (الجو بارد للغاية ورائحة الرطوبة تعبق المكان). كان يمكن للكاتبة أن توصلنا للنتيجة التي تقصدها من خلال “عكس” خصائص المكان من خلال “حركة الشخوص”
التداعي الحر / تعدد الأصوات
في الصفحة الثامنة عشرة، كما في مواضع أخرى، بعدها استخدمت إسراء تقنية “التداعي الحر” من خلال استخدام ضمير الراوي (الأنا): (أنا يا سيدي العزيز أشعر بحزن عميق، ليس ذلك الحزن العابر الذي يأتي نتيجة أمر ما، بل هو حزن حقيقي متأصل في داخلي بسبب هذه الحياة.). كما أنها عددت من أصوات الرواة بتنقلها بين ضميري المتكلم والغائب كما فعلت في صفحة 20 من الرواية وما بعده: (كان شعور ميخائيلوفيتش اليوم لا يوصف). وتعدد أصوات “الرواة” من التقنيات السردية التي تمنح النص حيوية إضافية ومقدرة على الاستمرار في “إغواء” المتلقي لمواصلة القراءة.
الفلاش باك المباشر المصرح به:
استخدمت إسراء هذه “التقنية الساحرة” في صفحة 22 من الرواية، حين تقول: (ما يزال يذكر تلك الليلة كأنها البارحة، حين أتاه أمين المكتبة راكضا متهللا ليخبره بأمر جائزة بوشكين للإبداع الروائي، التي ستقام هذا العام للمرة الأولى). غير أن سحر الفلاش باك الأكبر يتأتى عندما يكون ضمنيًا و”غير مباشر”، وذلك بالعودة “السردية” للحظات سابقة. ولا يقلل ذلك على أي حال من أهمية القول بأن “الخارج من معطف غوغول” في مجملها “استرجاع” للماضي من خلال كل الأساليب والأدوات السردية المستخدمة فيها
استحضار شخوص الروايات وهي “التقنية” الأساسية التي اعتمدت عليها السردية. وهي تقنية تنطوي على “إحالة”. فالقارئ وهو يتعرف على الشخوص في السردية التي يقرأها يفعل ذلك على ضوء معارفه السابقة عنهم من خلال قراءته للسرديات التي قدمتهم للمرة الأولى. (ص 38) ولا يمنع ذلك “التنوع” المشوق في تقنيات السرد من القول بأنه قد تخللته لحظات من “السرد التقريري” الذي يخلخل العلاقة بين المتلقي والنص:

(كان يخشى ألا تأتي أكلها ويفشل الأمر، ولكن بصيص نور كان يفلح في التسلسل إلى روحه مبددا الخوف من الفشل. في بادئ الأمر لم يكن السيد جفوزديلوف يقرأ الأعمال، كان يكتفي بقراءة اسم الكاتب،) – ص 27 (بعد انتهاء المرحلة الأولى بدأ التجهيز لمرحلة اختيار الفائز بالجائزة، وفي هذه المرحلة تقرر حضور المشتركين المؤهلين في موعد إعلان الفائز المتوج بجائزة بوشكين للإبداع الروائي. كان عدد المتنافسين على المركز الأول أربعة أشخاص، بدأ رئيس اللجنة في الحديث عن الجائزة التي أتت لإثراء الواقع الثقافي، وحتى تخلد رمزا عظيما من رموز الأدب الحديث. كما ذكر بأن المنافسة كانت محتدمة جدا وأن الاختيار لم يكن سهلا على اللجنة التي قضت الليالي في التشاور والتمحيص. مزجت الروايات المرشحة بين المدرسة الواقعية والمدرسة الرمزية والمدرسة ما بعد الرمزية، أما الرواية المتوجة فقد كانت تتحدث عن نوع جديد من الأدب،) ص 28

لقد اختارت إسراء الأمين الريس، في سرديتها الأولى، أن تركب مركبًا صعبًا. وانتقت نمطًا شديد الصعوبة من أنماط الكتابة الروائية. وراسخ ظني أنها قد استطاعت تقدم رواية جديرة بالقراءة. وهي في ذات الوقت: لبنة” أولى في مشروع كتابة روائية أثق في أنها ستمضي لآفاق أعلى وفضاءات أرحب. أقول ذلك مستندًا على معرفتي الأكيدة “بجنون” القراءة الذي “يتملك” إسراء الأمين فيسهم في تنمية وتطوير وصقل قدراتها السردية الفطرية.

شارك على
Comments (0)
Add Comment