قبضوني ليه قصة الفيل الجامد في بلاد العجائب
بقلم.. د/بشير حسن
يا يُمّه وين نلقى الشجر
نلقى المياه الجارية
وألقى الصحاب نلعب سوا
في صحة طيبة وعافية”
في أيامي الاولى في Tufts، ذكرت لي زميله هندية أنها متفائلة جدا بشعار الجامعه لأنه يوافق أحد آلهة الهندوس عندهم، و لما كنت أسمع الاسم (جامبو) دون أن أتبين ما المقصود تحديدا، فقد إضطررت أن اعترف لها بجهلي التام فيما يخص هذا الجامبو الذي تتخذه الجامعه شعارا لها، فذكرت لي أنه الفيل.
تعجبت في سري من هذا الشعار ثم نسيت الأمر كليا الي أن إكتشفت لنا زميله سودانيه نابهة القصه العجيبه لهذا الفيل. فأثناء مشاركتها في ورشه عمل بحثية وقعت عينها على أوراق تتعلق بتاريخ الجامعه التي تم إنشاءها في الربع الأخير من القرن ال١٩. و هناك بين الصفحات كانت قصة جامبو تتصدر صفحة كامله أو صفحتين.
إتضح أن جامبو هذا ليس أي فيل و السلام، و لكنه فيل سوداني ولد في أواخر عام ١٨٦٠ و تم قتل والدته و أسره على يد الصياد السوداني طاهر شريف، ثم بيعه الي حديقة حيوانات شهيرة في باريس. إنتقل بعدها جامبو (و كان هذا اسمه على الدوام، و هو أول من حمل هذا الاسم) الي لندن، حيث كان يتم عرضه في بيكاديللي سيركس و غيرها من أماكن الترفيه و كانت له شعبيه كبيرة جدا خصوصا وسط الاطفال، بما في ذلك أبناء الملكة فكتوريا.
و كان تعلق الإنجليز بجامبو كبيرا جدا لدرجة أنه عندما تم بيعه لمالك سيرك أمريكي، إستنكرت الجماهير الانجليزيه هذا الأمر لدرجة أن حاول البرلمان التدخل عبر القضاء و ايقاف البيعه لكن عندما تم عرض الأمر أمام المحاكم الانجليزيه، أقرت الاخيره بأن الموقف القانوني للمشتري سليم، و عليه فقد غادر جامبو انجلترا متوجها إلي نيويورك، مخلفا وراءه الكثير من القلوب الانجليزيه المكلومه.
في حدائق بروكلين، أثار جامبو مشاعر إعجاب لا حدود لها لدى الأمريكيين. كبر جامبو مع الايام ليصير فيلا عملاقا لم ير له مثيل من قبل. و بسبب ضخامته هذه، أصبح أسمه رمزا لكل ما هو ضخم، و بمرور الأيام صار الاسم كلمة أصيله في اللغة الإنجليزية نفسها.
لكن للأسف لم تكن حياة جامبو طويله بعد وصوله الي بلاد العم سام. مات جامبو السوداني في أصقاع أونتاريو الكنديه ميتةً نبيله بمعنى الكلمه. و ذلك أنه و بينما كان قطيع الأفيال الذي يملكه رجل السيرك الأمريكي يقوم بقطع السكة الحديدية، تأخر أحد الأفيال الصغار على القضبان بينما كان أحد القطارات يقترب منطلقا بالسرعه القصوى. يقول شهود عيان أن جامبو قام بمحاولة إنقاذ الصغير بمحاولة دفعه بعيدا عن القطار المندفع، ما تسبب في مقتله هو نفسه و نجاة الفيل الصغير (و هو تصرف سوداني صميم لو تأملت في الأمر).
قد يتساءل المرء عند هذه النقطه: و ما علاقة Tufts بالأمر حتى الآن؟ الواقع أن جامبو كان ضخما و فخما بصورة استثنائية جعلت الخواجات غير مستعدين للتفريط فيه حتى بعد موته، حيث قام مالكه صاحب السيرك بتفريغه و تجويفه و حشوه من الداخل الي جانب تحنيطه من الخارج..ثم أهداه في العام ١٨٨٥ لجامعة Tufts التي كان الرجل من داعميها و مموليها الرئيسيين.
و هكذا أمضى جثمان جامبو ال٨٦ عاما التاليه منتصبا على قوائمه الاربعه في قاعة بارنوم (صاحب السيرك) بالجامعه..يتبرك به الطلبه قبل الامتحانات كنوع من الفأل الحسن، و تتأمله أعين الزوار بإنبهار و تعجب…لكن جامبو ظل -كوطنه- مطاردا بالحظ السيئ حتى و هو ميت. في العام ١٩٧٥ و نتيجة لتماس كهربائي، إحترقت قاعة بارنوم بالكامل و لم يبقى من جامبو غير سيرته و اسمه و بعض الرماد…و للمفارقه، فإن إعتقاد الناس في جامبو كفأل حسن مستمر إلي يومنا هذا، حيث ما تزال بقايا رماد جثمانه تقبع في جرة زبدة فول سوداني بمكتب مدير قسم ألعاب القوى بجامعة Tufts حتى هذه اللحظه.
ترى هل كان النور الجيلاني يقصد جامبو عندما تغنى بصوته المتفرد و أدائه المبتكر:
“قبضوني ليه
جابوني ليه
عايزيني أعمل إيه هنا”
ربما..