حميدتي بين مصالحة الحركات وزُلفى التقرب من الشمال بمختلف الاثنيات.
بقلم.. نهلة أبو نورة
حميدتي ذلك الرجل الذي ينحدر من قبيلة المحاميد ذات الأصول العربية وجد نفسه بالصدفة أحد ممن يشكلوا حالياً الخارطة السياسية في السودان .. هذه الخارطة التي تتشابك فيها الأبعاد الاثنية والقبلية والاتجاهات الفكرية والعقدية
والانتماءات بين الافريقانية والعروبية مع التأثيرات الدولية الإقليمية من دول الجوار التي هي أيضا تعاني الجهوية والقبلية ومشاكل تحديد الهوية.
ذلك الأعرابي الأمي صاحب الذكاء الفطري الممزوج بدهاء البادية و قوة تحمل البداوة وجد نفسه يمثل اعتبارياً الرجل الثاني في دولة من أغنى الدول الإفريقية من حيث الثروات و تباين الثقافات والهويات .. وقد وصل إلى هذا الموقع من خلال صراع قبلي عنيف بين الزرقة الأفارقة و ذوي الأصول العربية .
ذلك الصراع الذي بدأ حكومياً وانتهى إلى صراعاً قبلياً ارتفع من خلاله اسم حميدتي مرفوعاً بدعم حكومي كيزاني يسعى لتقليم اظافر تمرد بدأ مطالبياً بالسلطة والثورة وانتهى إلى مشروع اثني تقوده حركات الزغاوة والفور ليكون حميدتي وعشيرته ذات الأصول العربية في مواجهة مع الحركات التي تسندها ليبيا و تشاد و تسند حميدتي أسلحة الحكومة وكثير من الهبات والدعوات .
في ظل هذه المعطيات قامت ثورة ديسمبر وجاءت الحكومة الانتقالية لتكون أولى اولوياتها هو السلام .. ولكنه سلام معني به إقليم واحد و منطقتين في السودان بعد فترة
من مخاض ثوري مدعوم بمصطلح فضفاض يسمى التهميش في دولة كل انحاءها واتجاهاتها واقاليمها مهمشة..
هذا السلام الذي أنتجته جوبا عاصمة الدولة المنفصلة من السودان لم يكن اتفاق هذا السلام الا نواة لتقسيمات أخرى سيشهدها السودان ولكن أهم مفارقات هذا السلام ان جعل أعداء الامس في دارفور هم أصدقاء اليوم في السلطة .
هي صداقة تم بناء اواصرها على نسيان الماضي ولو إلى حين ، حتي يتم التوحد واستلام مفاصل الدولة في الخرطوم بايادي دارفورية بغض النظر عن منابع الاثنية..
ولكن هذا الواقع سيجعل من حميدتي في مواجهة مع اهل الشمال أصحاب الشأن في السياسة والخبرة في مقارعة الازمان.
المشروع الدارفوري العروبي و الدارفوري الافريقي حتما سيكون بينهما تعارض وحتما سيكون أمام حميدتي خياران اما الاتجاه شرقاً نحو وسط السودان والاتجاه شمالا نحو النيليين .. أو ان يستنجد بعشيرته من خارج الإقليم..
هو وضع متأرجح يجعل حميدتي أكثر تأرجحاً بين ممالاة حركات الغرب و إستنصار اهل الشمال وهما مشروعان غاية في التناقض في هذا الوضع الحرج في أصعب الفترات التي تمر بها الدولة السودانية الحديثة..
اهل الشمال في الجانب الآخر ليسوا كلهم غافلون عما يجري وهناك منهم من يراقب الأمر بصورة لصيقة ، منهم من يشبه الوضع بفترة ما قبل وصول الخليفة التعايشي للحكم و يتخوف اهل الشمال من وصول الخليفة التعايشي الجديد للحكم خاصة مع الرجوع لتاريخ الخليفة التعايشي مع اهل الشمال و عندما يسمعوا بعض أصوات أبناء دارفور التي تنادي في الميديا بضرورة إبادة جلابة الشمال..
خلاصة الأمر أن وضع حميدتي القادم للسلطة بالصدفة يجعل من فرص بقاء السودان موحد أشبه بعملية قيصرية معقدة تحتاج أمهر النطاسين لإخراج هذا الوليد حياً و حتى وان كان مشوه الأعضاء مع أمل ان يتم علاجه وشفاءه بعد الخروج من رحم الغيب الذي تعيشه الحالة السودانية .