وداعا .. الموسيقار الرقم والمبدع العلم .. بشير عباس
بقلم: وائل محجوب
• قضت الأيام بأمرها ونفذ القدر وأمر الله الذي لا راد له، وارتحل أمس الموسيقار الرقم، والمبدع العلم، بشير عباس صاحب الألحان الخالدة والمقطوعات الفريدة، اثر علة لم تمهله طويلا بالامارات العربية، لينطوي عالم من جميل الأبداع وذاكرة حية للفن السوداني، وعصره الزاهي البديع.
• ينتمي بشير لسودان كان للفن فيه راياته السامقة، وكان أهله يجدون التبجيل والاحترام والمحبة من جميع أهل السودان، يطوفون البلاد بالقطارات يوزعون فنهم للناس في دور السينما والمسارح والمزارع والحقول، وكان للاذاعة عطر منشم في كل الانحاء، تتسلل منها الاصوات طليقة وندية كما الصباحات الماطرة، ويتجول الفنانين طلقاء من كل قيد في كل ربوعه، وينداح فنهم البديع مثلما تنداح محاصيل البلاد متناولا مشاعا لجميع اهلها، في المدن والقرى والحلال، سودان طمست ملامحه سنوات القهر، وقبح الحكام وسدنتهم المعادين للفن وأهله، الذين اشاعوا القبح والجهل والتخلف، حتى كادوا أن يمسخوا وجدان أهله.. لولا أن تداركهم لطف الله وعنايته وأقداره الغالبة.
• مثل فقيدنا الراحل بشير عباس حالة فنية فريدة، فهو ومنذ بواكير حياته دخل للساحة مع عظمائها، وارتبط بكبار الفنانين من لدن حبر الفن الأعظم عبد العزيز داؤود، الذي تفجرت موهبته مشاركا له بالعزف في ظرف استثنائي بسبب غياب البريع برعي محمد دفع الله وهو في عامه العشرين، ومنحه لحنين من أجمل ما تغنى به، “بلادي يا سنا الفجر”، واشوفك في عيني، لينطلق بعدها تلحينا وعطاء شمل كبار الفنانين الذي توزعت الحانه عليهم، فتفجر ابداع الفنان المجيد عبد الكريم الكابلي بلحنه الشجي لفريدة الحسين الحسن “طائر الهوى”، وتغنى له سليل الطرب حسن عطية بتحفته “حبو زي النيل”، وانعطفت مسيرة صداح الرومانسية والجمال زيدان ابراهيم بخريدة الشاعر بشير عبد الماجد “كنوز محبة”، وترنم المتوهج عبد العزيز المبارك بعجيبة عثمان خالد “لا تدعني”، وانهمر ابداعه على الساحة وشملت الحانه قائمة طويلة من الفنانين فرادى وثنائيات، حتى صار منطبعا على الوجدان العام للسودانيين وذائقتهم.
• لقد اتاحت الحياة لفقيدنا الراحل ان يرتبط بعظماء الموسيقى، إذ التحق في بواكير حياته ليعمل سكرتيرا بفرقة الاذاعة في العام ١٩٥٩م، وكان عمره وقتها ٢٤ عاما، وكان يرأس الفرقة وقتها الموسيقار العظيم علاء الدين حمزة، وتنقل بعدها في عدد من الأشغال، ليسجل عددا من مقطوعاته التي تميزت بالحانها البديعة الساحرة، فهي ترتبط بمناخات البلاد المتعددة التي كان يتنقل بينها بحكم عمله، وقد كانت هذه سمة ملازمة لها، فلا عجب أن شهدت مناطق مختلفة من السودان واغلبها من الجنوب مولد عددا كبيرا من أجمل الحانه الغنائية ومقطوعاته الخالدة الفريدة وتسمت باسمائها، ليعود للاذاعة مجددا نائبا لرئيس قسم الموسيقى الموسيقار والملحن الذي لا مثيل له برعي أحمد دفع في العام ١٩٦٧م، وقد الهمته تلك البدايات الاستثنائية التي جمعته بعباقرة جذوة الابداع الموسيقي والتلحين طوال مسيرته.
• غير أن عبقرية فقيدنا الراحل تفجرت وارتبطت بتجربة الغناء الجماعي النسائي الأعظم مع البلابل، وربما كان ذلك مدخلا لتأمل ارتباط تجربته الفنية بالنساء، إذ انه تعلم العزف على يد العازفة والملحنة القديرة ابنة عمه اسماء حمزة، كما قدم خلال مسيرته للساحة الفنية عددا من الأصوات الفنية النسائية المتميزة.
• كان بشير عباس عراب تجربة البلابل الفنية والأب الروحي لفنها المتدفق المتوهج، وملحنها الأغزر عطاء وذكاء فنيا ارتقى بها للقمم البعيدة، من حيث أدراكه لفرادة اصواتهن وابعادها، وتفرد ذائقته وحسه الذي ساعده على تنويع المدارس الفنية التي تتناسب مع حداثة اعمارهن، وفرادة تجربتهن والادراك العميق لمدى تأثيرها الفني والاجتماعي، فأطلق قدراتهن الكامنة بالحان هي الأجمل والأعظم والأبلغ أثرا في وجدان أهل السودان حتى يوم الناس هذا والى ما شاء الله، ونظرة واحدة لقائمة تلك الاغاني التي وضع الحانها الملحن العبقري، كافية لادراك أثره العميق ليس في تجربتهن وحسب، انما في الوجدان العام لأجيال البلاد المختلفة؛
نحييك، ود القبايل، عشة صغيرة، لون المنقة، سكة مدرستنا، سلافة الفن، رجعنالك، مشوار، نور بيتنا، موجة، طير الجنة، اللي بسأل ما بتوه، نسيتني أنا، زهر الريحان، قطار الشوق، الاسمراني، حبايبنا، على نياتنا، نجوم الليل، الليلة مسافر، متعالي علينا.. وغيرها من الأعمال البديعة الخالدة.
• لقد فقدت البلاد رمزا من رموزها الفنية الكبيرة، ومصدرا من مصادر الجمال التي وسمت حياتها، وعبقريا من عباقرة الموسيقى في عالمنا بأكمله، وذاكرة أجيال كاملة في مسيرة الفن السوداني، وعاشقا كبيرا للسودان الكبير، من حلفا الى نمولي، ومن بورتسودان الى الجنينة.
اللهم أرحم فقيد الفن والابداع السوداني بشير عباس بقدر ما قدم لاسعاد شعبه وأهله، وأكرم مثواه وأرزقه الجنة بغير حساب، وألهم آله ورفاقه من الفنانين والموسيقيين، وجميع أحبابه واصدقائه وعارفي فضله الصبر والسلوان.. والعزاء موصول لجميع الأهل والاصدقاء بحلفايا الملوك، موطن فقيدنا ومحبته ومحبتنا الدائمة.. أحسن الله عزاء الجميع.