من الذي يحرّك اقتصادنا؟ أهم السماسرة و”التماسيح”؟ … بقلم: التيجاني عبد القادر حامد

كنت والأخ الصديق د. عبد الله حمدنا الله في زيارة علمية قصيرة إلى يوغندا أوائل التسعينيات من القرن الماضي. كان العيد على الأبواب فذهبنا نبحث في سوق كمبالا عما يمكن أن نجد من هدايا لأطفالنا. لم نجد شيئا، فذكرنا ذلك لشاب سوداني التقينا به صدفة في الفندق. قال، وقد برقت عيناه: أتريدان ملابس أطفال؟ اتبعاني. اتبعناه إلى غرفة غير بعيدة في الفندق ذاته، فوجدنا عصبة من الشباب، لعلهم من منطقة شرق النيل، يتشابهون شكلا ولونا ولهجة، يستأجرون غرفة واحدة، ويأكلون من “حلة” واحدة، وكل منهم متكئ على حقيبة ضخمة مكتظة بملابس ولعب وغير ذلك من السلع التي لا يمكن أن يكونوا قد أتوا بها من “ود راوة”، أو عثروا عليها في أسواق يوغندا. ثم علمنا أنهم “تجار شنطة” يعملون بين هونج كونج والساحل الشرقي لأفريقيا. لم تكن تبدو على أحد منهم مسحة تعليم، أو معرفة باللغة السواحيلية القريبة من لغة العرب، ناهيك عما سواهما من لغات جنوب شرق أسيا، أو غيرها، ولكن ذلك لم يمنعهم من أن يضربوا في الأرض بحرا وجوا، وأن يبيعوا ويشتروا، وأن يحققوا أرباحا تفوق ما يمكن أن نحلم به أنا وصديقي وأصدقاؤنا الآخرون الذين قضوا سنوات من أعمارهم في تعلم اللغات والاقتصاد والتجارة الدولية. فتركناهم ونحن في عجب من الذكاء الفطري، والدبلوماسية الشعبية، وروح المغامرة والجسارة، ثم قلت في نفسي: لو أن فرصا تعليمية أتيحت لهؤلاء كما أتيحت لنا، فدخلوا الجامعة مثلنا، وتعلموا الانجليزية والصينية والكومبيوتر، ودرسوا كتبا في التجارة والصناعة والاستثمار، ألا يحتمل أن تبلغ بلادنا ما بلغته هونج كونج أو كوريا الجنوبية من نمو اقتصادي؟ وإذا تعذر ذلك، أليس من المحتمل أن نحقق، على أقل تقدير، اكتفاء ذاتيا في لعب الأطفال وأحذيتهم؟
ثم تذكرت “سلالمنا” التعليمية وما تفعله من خلخلة في العملية التعليمية، وتذكرت حكوماتنا المحلية وما تفعله من “جهجهة” في المدارس والمدرسين، وتذكرت قولا لأستاذنا الراحل عبد الله الطيب، رحمه الله، يستهجن فيه الدوافع النفعية الضيقة للتعلم، والطريقة النمطية والميكانيكية التي جعلت الطلاب، بظنه، قطيعا من “الأبقار المطرودة الي كلية الطب، ثم الهندسة، ثم ما عداهما من كليات”. وكانت نتيجة ذلك، كما هو متوقع، أن توفر لدينا عدد كبير من الأطباء والمهندسين ولكنهم يعملون في مجالات الأمن والسياسة والإعلام، كما توفر لنا عدد مماثل من الزراعيين والبياطرة ولكنهم يعملون في السلك التعليمي والدبلوماسي، ثم نوفر لنا عدد أكبر من الأدباء والقانونيين والاقتصاديين ولكنهم يعملون في قيادة “الركشة”!
وقد يقول قائل: وما العيب في ذلك؟ أليست هذه نتيجة منطقية لحرية التعليم والعمل والسوق؟ أليست الأسر هي التي تدفع أبناءها لدراسة الطب والهندسة، وتدفع تكاليف ذلك؟ أليس “السوق” هو الذي ينظم عملية التوظيف وفقا لقانون العرض والطلب؟ والإجابة بلى، ولكن أليس من الصحيح أيضا أن هذه الأسر توجد في مجتمع، وأن لهذا المجتمع مصالح “مشتركة”، وأنه من أجل هذا فقد أقام على رأسه حكومة، وأن أول مهام الحكومة هي “التخطيط” والتنسيق بين الموارد المتاحة من أجل التنمية المتوازنة التي تتحقق بها المصالح المشتركة؟ أليس من الصحيح أننا لو تركنا التعليم والتوظيف لآليات “السوق” لذهب ذوو المال وحدهم بالتعليم والتوظيف معا، وفتحت أبواب الجهل والبطالة على من لا مال له، ولانقسم الشعب الواحد إلى شعبين، ولفتحت على المجتمع كارثة من بعد أخرى، ولخسرت الأسر والحكومة معا?
وكأنك تسألني عما أقصده، فدعني أسارع وأقول إنني لست معاديا للتعليم، ولست متعاميا عن دور المتعلمين في إحداث التنمية الاقتصادية، إذ أن صلب حديثي يتضمن دعوة للاقتصاد القائم على “المعرفة”، ولكنى ألاحظ أن الأكثرية من طلابنا النابهين يقضون أعمارهم في قاعات الدراسة، لا ليكتسبوا معرفة يخرجوننا بها من الفقر والبؤس، ولكن ليفقدوا قدرا من الحيوية، ولتضعف فيهم روح المغامرة، وليكتسبوا في المقابل قدرا كبيرا من التردد والخور، يجعل الواحد منهم يفضل اللعب على المضمون، كأن يكون موظفا في وزارة المالية أو في المصارف التجارية، أو مفتشا في مصلحة الضرائب والجمارك، ليقوم بمراقبة المنتجين الحقيقيين(الذين لم يدرسوا شيئا في الاقتصاد والإدارة)، وتحصيل الضرائب منهم، وفرض الغرامات عليهم، ومطاردتهم من الأعمال الصغيرة إلى الأعمال الصغيرة جدا، ومن السوق الكبير إلى السوق “الأسود”، ومن السوق الأسود إلى ما وراء الحدود إذا لزم الأمر.
هذه الملاحظة تجعلني أشك غاية الشك في أن يكون “لمخرجات” النظام التعليمي الحديث دور في التنمية، فهو نظام لا يلتفت لمواردنا الطبيعية إلا قليلا، أما مواردنا البشرية فهو يهدرها هدرا، فلا يعمل على تنمية المهارات وبناء الشخصية، ولا يعلم فنون القيادة أو إدارة الأزمات، ولا يدفع في اتجاه الاستكشاف أو التفكير النقدي المستقل، ولا يحفز على التطوع وخدمة الإنسانية، وإنما يعمل بوعي وبغير وعى في اتجاه تصنيع موظفين يملئون الخانات الشاغرة في دواوين الحكومات المركزية والولائية. والدواوين كما تعلم لا تطلب من العامل فيها أن يغامر، أو يبدع، أو أن يخترع. كل ما هو مطلوب من الموظف فيها أن يكون مواظبا، وأن يلم بتفاصيل اللوائح الإدارية والمالية، وأن يفرغها على كل من يمر عليه من أول الشهر حتى يبلغ نهايته، فإذا فعل ذلك استحق راتبه الشهري، ويمكن أن يتدرج في هذه المواقع حتى يبلغ درجة وكيل أو يحال إلى المعاش، الاختياري أولا ثم الإجباري.
ولا أقول هذا جزافا، فبين يدي دراسات كثيرة عن الحالة الأفريقية(ونحن جزء منها) تؤكد أن القطاعات الإنتاجية الأساسية(الرعي والزراعة والتجارة) لا يقودها خريجو المدارس والكليات الجامعية الحديثة، وإنما يقودها رصفاؤهم الأميون الذين لم يجدوا فرصة في التعليم (فلا يرجى منهم بالتالي أن يدركوا أمور التنمية القومية)، أما الذين تعلموا و”تخصصوا” في فنون الإدارة والتجارة فهم عادة ما يفضلون البقاء في المدن الكبيرة، والعمل في دواوين الحكومة (تحصيلا للجباية وتمتعا بالامتيازات والإجازات)، ثم يتحول بعضهم إلى سماسرة ووسطاء بين المنتج المحلى والمستثمر الأجنبي، أو إلى وكلاء للشركات العالمية، فيعيشون سعداء ولكن على هامش الدورة الاقتصادية، ولن يكون في مقدورهم أن يسهموا بصورة مباشرة في تكوين الثروة الوطنية أو تنميتها.
ولعلك تظن أن الوضع في الدول العربية الغنية بالنفط، حيث لا تقوم الحياة في هذه المجتمعات إلا على التجارة والاستثمار، سيكون مختلفا، ولكن ذلك غير صحيح، إذ يلاحظ المراقبون والباحثون أن الطلاب الذين يتخرجون في كليات التجارة والاقتصاد في الدول الغنية بالنفط يفضلون أيضا العمل في المصالح الحكومية، أما الذين يبدون رغبة في العمل في القطاع الخاص(إلى جانب التاجر التقليدي أو المستثمر الأجنبي) فهم أقلية قليلة، وهم علاوة على ذلك عديمو الفائدة من الناحية العملية، ولا يصلحون للعمل الحقيقي في الميدان إلا بعد “تأهيل” جديد، حتى أن بعض الشركات والبنوك أخذت على عاتقها مهمة الجامعات، فصارت تعتمد على ذاتها في البحث عن الطلاب ذوى النباهة والطموح، ووضع برامج دراسية خاصة لهم، ووضعهم في دورات مكثفة، ثم العكوف على تدريبهم من جديد، أو قل إعادة تعليمهم، ليتثنى لهم من بعد ذلك أن ينخرطوا في القطاع الخاص. فماذا يعنى هذا؟
هل يعنى مثلا أن “مخرجات” التعليم تسير في اتجاه، ومطلوبات الحياة تسير في اتجاه آخر؟ أم يعنى أن الدراسة النظامية بمناهجها التقليدية قد صارت بالفعل عديمة الجدوى، وأن الشركات والبنوك يمكن أن تقدم برامج تعليمية أفضل مما تقدمه الجامعات؟ ومن الذي سيقود تنمية ثرواتنا الوطنية إذن، وكيف؟ أيكون ذلك بأن تتحول الجامعات إلى شركات (كما هو ملاحظ الآن)، أو أن تتحول الشركات والبنوك إلى مراكز للتعليم؟ ولماذا يلج التجار الأميون والمستثمرون الأجانب مجالات الاستثمار والتجارة، وينجحون في تحقيق الأرباح الهائلة، بينما ينصرف خريجو كلياتنا الزراعية والاقتصادية إلى المهن الهامشية؟ أتعود هذه الحالة إلى المعلم والبرامج والمناهج الدراسية التي ترتكز عليها العملية التعليمية، أم تعود إلى الحكومات الولائية التي تُعيّن المعلم على كره، وتدفع راتبه على كره، أم تعود إلى القيادة السياسية التي تحوّل الطلاب إلى مليشيات عسكرية، وتُحيل العلماء الي التقاعد، وتهيل التراب على رؤوس المعلمين، وتوكل التنمية الاقتصادية إلى السماسرة و”التماسيح”؟

شارك على
Comments (0)
Add Comment