ملف العلاقات الخارجية ما بين توجهات الأنظمة وسياسة المحاور

ملف العلاقات الخارجية ما بين توجهات الأنظمة وسياسة المحاور…!!!

من منظور تحليلي لملف العلاقات الخارجية السودانية الملاحظ تأرجح المصالح ما بين نفسيات وتوجهات الأنظمة من ناحية، وسياسة المحاور من الناحية الأخرى، ألا يشي ذلك بعدم دراية الأنظمة بما يدور من تكتيكات المحاور.. أم أن الحكام عادة ما يركزون على تفاصيل بعينها بعيداً عن القضايا الوطنية، باعتبار أن التوجه الأيديلوجي ساهم في تراجع ملف العلاقات الخارجية بشكل ملحوظ، والدليل على ذلك غياب السودان من القمة الإفريقية الأوروبية الأخيرة؟ما هي الرؤية الصائبة لاختراق ملف العلاقات الخارجية في ظل تقاطع المصالح، وتذبذب اتجاهات القوى الوطنية؟

تقرير :عبد القادر جاز

نجاح البنيان:
أوضح الأستاذ تاج الدين إبراهيم إسماعيل رئيس التحالف السوداني القومي ورئيس حركة العدل والمساواة السودانية الجديدة أن السياسة الخارجية الناجحة تبدأ من الداخل بالبنيان الاجتماعي والاقتصادي المتين، مؤكداً أن هذا البنيان لا يمكن أن ينبني إلا في ظل دولة القانون التي افتقدناها منذ استقلال البلاد، معزيا ذلك لعدم تأسيس دولة حقيقية تقوم على دستور دائم، تتبع تشريعات توضح خط الدولة في العديد من المحاور بما فيها العلاقات الخارجية، ويرى أن تأرجح العلاقات الخارجية السودانية نتيجة طبيعية للتشاكس ما بين الأنظمة العسكرية الدكتاتورية والديمقراطيين وبعض القوميين المتشددين.

استبعاد المحيط:
أكد تاج الدين أن الأيديلوجية ساهمت مساهمة كبيرة في تراجع ملف العلاقات الخارجية على سبيل المثال: انضمام السودان لقائمة الدول العربية، وأعاب على النخب الأوائل التي استبعدت السودان من المحيط الأفريقي دون مراعاة للتنوع الثقافي والديني والعرقي المحفز للانفتاح وليس للإنغلاق في دائرة ضيقة، وأشار إلى أن هذا الوضع المختل في الهوية هو الذي أضعف الإحساس بالوطنية المتساوية بين السودانيين، مضيفا في ظل جدلية الهوية قادة بعض القوى السياسية يقدمون القضايا العربية القومية على أنها قضايا الوطن، مستطردا بقوله من هنا أصبحت مصالح السودان الخارجية تحت رحمة دولة توجهها على حسب مصالحها، وبالتالي أصبحت البلاد رهينة، ولفت إلى أن فقدان بوصلة العلاقات الخارجية في عهد نظام الإنقاذ نتيجة للأيديلوجية الإسلامية المتسلطة والهوية العربية المفروضة قسراً.

إرجاع الملف ما قبل 30يونيو:
قال تاج الدين إن غياب السودان عن القمة الأفريقية الأوروبية نتيجة للوضع الحالي بعد الانقلاب على الحكومة الانتقالية باعتبار أن هذا من منظور الدبلوماسية الدولية يعتبر امتداداً للنظام البائد، مرجحاً تكوين حكومة انتقالية متفق عليها ومحدودة المهام لإنجاز الملفات الموكلة إليها ومن ضمنها صناعة سلام حقيقي ودائم لمعالجة آثار الحرب، والإعداد لمؤتمر جامع لكل السودانيين لتحديد هوية الدولة السودانية، وشدد على ضرورة إرجاع ملف العلاقات الخارجية إلى ما قبل 30 يونيو 1989م، منوها إذا نجحنا في ذلك سيعبر السودان نحو الديمقراطية الحقيقية بواسطة حكومة منتخبة قادرة على بناء علاقات خارجية مبنية على رؤية تواكب المتغيرات التي طرأت إقليمياً ودولياً.

الهشاشة والالتجاء للمحاور:
أبان الأستاذ يوسف ريحان رئيس المعهد الأفريقي للسلام والتنمية أن تأرجح العلاقات الخارجية يحدث في الدول الهشة غير المستقرة، والضعيفة اقتصاديا، مضيفاً بهذه الوضعية تواجه بالعديد من التحديات ما يجعلها تبحث عن أسهل الحلول التي تجدها في اللجوء للمحاور استعداداً لتقديم المساعدة والدعم سواء كان سياسياً أو اقتصاديا، واعتبر أن ذلك في الأخير سيكون دعما مشروطا بالمقابل وليس بالمجان، وكشف أن هذا الالتجاء المتمحور فرضته الظروف الاقتصادية والسياسية الحالية وقد يزول بزوال المسبب، وسيتغرر بتغير الأنظمة.

القواسم المشتركة:
أكد ريحان أن العالم تحكمه مصالح وليست أيديولجيات، فكثير من الدول تتصادم مع دول ذات توجه أيديلوجي مختلف، ولكنه في نهاية الأمر تحكمها المصالح المشتركة، على سبيل المثال الصين وروسيا بالرغم من اختلاف التوجهات لم تتوقف المصالح المشتركة بينهما، وأشار إلى أن تراجع ملف العلاقات الخارجية السودانية لعدم توافق القوى السياسية السودانية لصيغة حكم يحقق السلام والاستقرار يقود لحكومة منتخبة قادرة على بلورة سياسة وطنية موحدة للتعامل مع الخارج على أساس أن التعاون دون التدخل في شئون الآخرين، ودعا إلى ضرورة استقلالية القرار الوطني بعيداً عن رهن ذلك بالوصاية الخارجية التي ترتكز في المقام الأول على تبادل المصالح.

اختراق:
أجزم ريحان أنه إذا لم يكن لدينا القدرة على ترتيب البيت من الداخل فسوف لن تكون لدينا القدرة على إحداث اختراق في ملف العلاقات الخارجية، منوهاً في الوقت نفسه أن كثير من الملفات الداخلية المتعلقة بعدم التوافق السياسي، وحقوق الإنسان، وعدم قيام الانتخابات التي ستأتي بحكومة منتخبة، وملف السلام العالق ستؤثر على طبيعة العلاقة الخارجية إذا لم تحسم بعد، قائلا إذا تم ترتيب البيت الداخلي حتماً سيحدث اختراق كبير في ملف العلاقات الخارجية سواء من باب المصالح الاقتصادية المشتركة، أو من باب التعاون في كافة المجالات.

اعتدال التوجهات:
أكد الأستاذ حسب النبي محمود حسب النبي أمين الشباب بحركة تحرير السودان بقيادة القائد مني أركو مناوي أن العلاقات الخارجية لأي دولة تتشكل على حسب المصالح والأهداف العامة لتوجهات الدولة المعنية، وأوضح على سبيل أن التوجهات العامة بالسودان بعد سقوط النظام البائد أصبحت معتدلة، وتم رفع اسم السودان من قائمة الدول الرعاية للإرهاب، موضحاً أن العلاقات الخارجية في عهد الإنقاذ كانت محصورة على الدول التي تدعم الإرهاب، واعتبر أن هذه العلاقات هي التي قادتنا إلى الكارثة التي فرضت علينا عقبات لا تحصى ولا تعد، وكشف عن تدخلات المحاور بشكل مباشر في توجهات الدولة السودانية قديما، وخاصة الأخوان المسلمين في عهد الإنقاذ، موضحاً أنه بعد إسقاط النظام البائد أصبح وجودهم فعليا ضعيف، وتم استعادهم بعد الانقلاب الأخير.

أزمة الانقلاب والموقف:
نفى حسبو غياب السودان عن القمة الأفريقية الأوروبية لأسباب أيديولوجية، لكنها مرتبطة بأزمة الانقلاب الذي قاده البرهان والحرب ما بين الجيش السوداني والمليشيات الأثيوبية، وأضاف بأن هذه الأسباب الأكثر تفسيرا لغياب السودان وموقف إثيوبيا من السيطرة العسكرية على مستقبل السودان، أوضح حسبو أن الرؤية للعلاقات الخارجية وتوجهها بعد تشكيل الحكومة الوطنية لمواصلة ما تم في عهد رئيس مجلس الوزراء السابق د. عبد الله حمدوك، قائلا إن فترة حمدوك كان لها إنجاز باهر بالرغم من أنه صاحبتها تحديات في كثير من القضايا المهمة على سبيل المثال لا الحصر: سيطرة العسكر على قرار التطبيع مع إسرائيل من دون مشاركة بقية السودانيين، واعتبر أن هذا القرار الوطني بالغ الأهمية، مبيناً أنه في عهد المؤتمر الوطني توجه العلاقات الخارجية كان توجها أيديولوجيا مع قائمة الدول الراعية للإرهاب.

ايدويلوجيات التحكم :
أكد الأستاذ أحمد أبكر الناطق الرسمي باسم مجلس الصحوة الثوري السُّوداني أن العلاقات الخارجية السودانية لم تؤسس على النهج السليم منذ الاستقلال والحكومات التي تعاقبت على حكم البلاد، منوهاً للأسف الشديد سياستنا الخارجية يرسم لها الخطط جهات إقليمية ودولية ذات مصالح استراتيجية، معزيا ذلك إلى عدم الدراية بما يحدق بالبلاد جراء أي سياسات غير واضحة من قبل الحكام بالسودان، واعترف أن المصالح الشخصية والأيديولوجية هي التي تتحكم في مصير وشكل السياسة الخارجية للسودان.

الهيمنة :
قال ود أبكر إن الحكام عادة ما يركزون على مصالحهم الذاتية بعيدآ عن المصلحة الوطنية، مشيراً في هذا الصدد إلى تراجع ملف العلاقات الخارجية السودانية إقليمياً ودولياً، إضافة إلى استمرار هيمنة العسكر والمليشيات الانقلابية على الدول المختلفة، معيبا عدم مشاركة السودان في القمة الأفريقية الأوروبية الأخيرة، منوهاً أن ذلك جاء نتيجة للاستجابة ولرغبة الشعب السوداني الثائر الذي ينتفض يومياً بشكل منتظم ومخيف للعسكر على حد قوله، مؤكدا أنه بطبيعة الحال أن الشعب السوداني يظل على الدوام رافضاً الإنقلابات العسكرية، ولا يتراجع حتى إسقاطها.

الخط الوطني :
أقر ود أبكر أن الرؤية الثاقبة في السياسة الخارجية تتمثل في إنهاء مسلسل الإنقلابات العسكرية، والتوافق السياسي دون استثناء لأحد، وصولاً إلى فترة انتقالية مؤسسة ومتوازنة، مضيفاً أنه بالضرورة تهيئة الأجواء للانتخابات لمعالجة كافة الإخفاقات التي صاحبت الفترة الإنتقالية لتأسيس دولة السيادة بعيدآ عن مصالح الأفراد، وتوجهات الأنظمة السياسية الإقليمية والدولية، مشدداً على ضرورة الالتزام بالخط الوطني المستقل بإرادة سياسية سودانية لبناء وطن يسع الجميع.

تعقيدات الثوابت :

قال د. محمد علي تورشين المحلل السياسي والأكاديمي إن السياسة الخارجية السودانية معقدة وتحتاج لصياغة تتوافق مع سياسات الدول الديمقراطية المستقرة المبنية على أهداف ومبادئ تتسق مع كافة الأجهزة السياسية والاقتصادية والأمنية وخلافها، مبيناً أنه في حال اختلال هذه الأبعاد من الطبيعي أن تتولى الحكم قوى عسكرية، مرجحاً أن أي قوي سياسية لا تستطيع أن تحدد الأهداف والمبادئ التي تضمن تحقيق التحول الديمقراطي المنشود ستخسر كثيراً، لافتا إلى أن التغيير يكمن في الأدوات وفقا للأهداف والمبادئ باعتبارهما ثوابت في الممارسة السياسية والاقتصادية وخلافها.
وأشار إلى أن صناعة السياسية الخارجية تتمثل في كيفية الاستخدام الأمثل للأوات الدبلوماسية في العلاقات الدولية.

فلك المصالح :
كشف تورشين أن ملف العلاقات الخارجية السودانية مختلف من حيث الأهداف والمبادئ في كيفية استخدام الأدوات على مستوى الأنظمة السابقة، واعتبر أن ذلك يدعو للسخرية، وجعل السياسة الخارجية مرهونة بأمر قادة وزعماء الأنظمة الشمولية، معرباً عن أسفه الشديد أن ملف العلاقات الخارجية المعنية به وزارة الخارجية فيه جملة من الاختلالات في المؤسسية لتوظيف الكوادر البشرية الكل فيها في مجاله، وأردف بقوله هذا ما جعل بعض الدول تستخدمنا كأدوات لسياساتها المرتبطة بأجندة المحاور، ونجد أنفسنا نسبح في فلك مصالح قوى إقليمية ودولية، وأوضح أن مشكلة العلاقات الخارجية تكمن في التوجهات والأيديولوجيات المتبناة في السياسات الخارجية للدول، متسائلاً عن الأيديلوجيات هل يمكن لها أن تحقق تطلعات ورغبات الشعب السوداني أو الحزب السياسي؟

طبيعية التغييب :
أعترف تورشين أن تغييب السودان من القمة الأفريقية الأوروبية الأخيرة أمرا طبيعياً باعتبار أن النظام غير ديمقراطي، مشيراً إلى أن الدعوة وجهت إلى الدول الديمقراطية الأفريقية واستبعاد الدول الأفريقية غير ديمقراطية على سبيل المثال: مالي وبوركينافاسو ، مؤكدا أن الرؤية الصائبة في شكل العلاقات الخارجية لا تأتي إلا بالتوجيهات السلمية عبر مناخ ديمقراطي سليم ومعافى، بجانب دستور شامل يوضح المعالم العامة للسياسات الخارجية المتمثلة في الأهداف والمبادئ، قائلا بلا شك إذا تمت معالجة هذه الإشكاليات يمكن أن تساهم في وضع سياسات خارجية تحقق الأهداف المطلوبة.

شارك على
Comments (0)
Add Comment