مجلس رئاسي إفتراضى أم “فرفرة مذبوح”؟ قراءة واقعية في المشهد السوداني بعد إعلان تحالف تأسيس
بقلم: حاتم كبلو
في خضم الحريق السوداني الممتد، وبين رماد الخراب ومآسي الحرب التي أحرقت جل السودان ، أطلّ علينا تحالف “تأسيس السودان” (TASIS) بخبرٍ بدا في أوهام عقول عصابته وحلفائها الخاسرون المنفقون لأموال دويلاتهم وشعوبها المغلوبة على أمرها وإعلامهم المدفوع الرخيص الذي يقتات من الكذب والتأليف والتأليه لمنعدمي الضمير والإنسانية ومجرمي الحرب والمرتزقة أنه بشرى طال انتظارها: تشكيل مجلس رئاسي انتقالي وتعيين محمد حسن التعايشي رئيسًا للوزراء.
خطوة وُصفت بأنها “تحول تاريخي”، لكنها من منظور سياسي واقعي، تشبه ما يسميه الفلاسفة بـ”المشروع المجهَض”، أو كما يُقال شعبيًا: فرفرة مذبوح.
فلننظر بتمعّن في هذا الكيان الوليد لنفهم إن كان حقًا طوق نجاة، أم مجرّد محاولة بائسة للبقاء.
رئيس مجلس ميت؟ القائد الذي يخاطبنا من خلف القبر
ولعلّ المفارقة الكبرى في هذا المشهد الانتقالي هي تعيين محمد حمدان دقلو (حميدتي) رئيسًا للمجلس الرئاسي، وهو القائد الذي تتضارب حوله الشائعات منذ أكثر من عام، حتى بات يُعرف شعبيًا بلقب:
“القائد الذي يلقي خطاباته من القبر”.
منذ مايو 2023، تتداول الأوساط السودانية شهادات وتقارير تؤكد أنه لقي حتفه في إحدى ضربات العاصمة، دون ظهور مباشر حيّ منذ ذلك الوقت. أما خطاباته المتتالية فتصدر عبر مقاطع فيديو بلا تفاعل، خالية من الصوت الطبيعي أو المؤتمرات المباشرة، كأنها خارجة من غرفة مونتاج أكثر من كونها صادرة عن غرفة عمليات.
وقد بات السودانيون يتندرون ساخرين:
“هذا القائد أمه برنامج ذكاء صناعي، ووالده وجدّه مونتاج ومكساج ودوبلاج محترفي الميديا!”
فكيف يُبنى مشروع سياسي على رأسٍ شبح؟ كيف نؤمن بكيان يترأسه رجل أقرب إلى رمز رقمي مشفر من قائد حي حاضر؟
إنها مسرحية سياسية عبثية لا يمكن تبريرها حتى في أكثر الأنظمة هشاشة أو تضليلًا.
حتى وإن أردت لعب شطرنج مع صديقك، فأنت تحتاج إلى رقعة خشبية مربعة، حوافها ٨ مربعات، وجملتها ٦٤ خانة. بدونها لا يمكنك إلا أن تتوهم أو تحلم أنك لعبت شطرنج.
فما بالك بمن يحاول تأسيس دولة، وتشكيل حكومة، ومبايعة رئيس، في الهواء الطلق؟
المجلس الجديد لا يملك الأرض ولا العاصمة ولا الميناء، ولا أي معبر دولي يُعتد به، ولا بنكًا مركزيًا ولا سلطة مالية ولا مطارًا واحدًا يرفع علمه.
إنهم قد أحرقوا تاريخهم السياسي، وانتحروا، ونحروا ما تبقّى من سمعتهم – إن تبقّى شيء منها أصلًا – حتى أمام جنود الميليشيات البسطاء، أولئك المأخوذين بخطابات التهميش والغبن والظلم الجغرافي.
لم يعد يُسمع لهم صوتٌ سوى في البيانات، ولا يُرى لهم أثر سوى في “اللا مكان”.
فأيُّ انتقالٍ هذا الذي لا يُلامس تربةً، ولا يمشي على أرضٍ؟
تجميع عبد العزيز الحلو (الذي يدعو لدولة علمانية فدرالية) مع حميدتي (ذي الخلفية العسكرية القبلية) يبدو أقرب إلى زواج اضطراري منه إلى تحالف قائم على مشروع سياسي موحّد. هذا تناقض هيكلي سينفجر عاجلًا أو آجلًا.
حتى اللحظة، لم تعترف أي جهة دولية رسمية بالمجلس: لا الاتحاد الإفريقي، ولا الأمم المتحدة، ولا القوى الإقليمية الكبرى. هذا الضعف الدبلوماسي يجعل المجلس كائنًا محليًا بلا غطاء عالمي، ويعزّز عزلته الجغرافية والسياسية.
التحالف لا يشمل كيانات ذات ثقل مثل قوى الحرية والتغيير (المجلس المركزي) أو حركات دارفور الكبرى، مثل حركة مناوي أو جبريل. وهذا يعني أنه تحالف جزئي، يفتقر إلى الإجماع الوطني المطلوب لأي مرحلة انتقالية.
في ظل حرب ونزوح ومجاعة وانهيار الخدمات، لا يُبنى المجد على البيانات السياسية. الشعب لا يهتم بتفاصيل المجالس، بل ينتظر: هل سيتلقى راتبه؟ هل سينجو من القصف؟ هل يستطيع شراء الخبز؟
والمجلس، حتى اللحظة، لم يقدم أي إجابة عملية.
قد يكون تشكيل المجلس الرئاسي محاولة لتوحيد شتات القوة الميدانية، لكنه – في جوهره – إعلان عن ميلاد مشروع سياسي ناقص الخلقة. مولود وُلد في نفق، لا في نور دولة.