مجلس الأعيان وحالة التوهان السياسي
إن محاولة ضرب نوع من الجدار الأخلاقي العازل، حول مجلس كبار أعيان الدينكا (JCE) يحول دون نقدها أو إنتقادها، تحت إدعاء عدم الإساءة للقبيلة، أو (قلبنة) الخطاب السياسي، يعتبر موقف مراوغ ومنافق ورجعي.
ليس هنالك ما هو أخطر من الإجتهاد في نسج اغطية اخلاقية وسياسية وفكرية، للظواهر الشاذة ذات التأثير السلبي الباين الذي يعيق النمو والتطور الطبيعي لبنية المجتمعات والبلدان، وتمتد لتشويه طبيعة العمل السياسي.
أسوأ ما في ظاهرة (جيينق كانسل) التي هي نتاج حالة التوهان العام والإفلاس السياسي والفكري، وغياب المشروع البديل، كما هو سمة اغلب مراحل الممارسة السياسية في جنوب السودان، وصولا – الآن – إلى حالة الذروة أو (التيه العظيم) في حقبة الحركة الشعبية، ليس قادتها الذين بلغوا خريف العمر، بل في ثلة (المُتثاقفين) ومدعي الإستنارة من الشباب المتملق الذين تم “صياغتهم وفق منظومة ثقافية معينة احتلت عقولهم”، وتشكل وعيهم السياسي والفكري على هامش تجربة (المنظومات القبلية) وما ميزها من سياسة التمكين والسرقة والنهب المنظم للموارد تحت ستار العطاءات والكوتات والـ (LC)/ات وهلمجرا من الصيغ المتسامحة التي تم افتراعها لـ (الفساد)، ولذا نصبوا انفسهم حراسها التلييدين، يحرسون حتى (نوايا) الناس، ويتحسسون من كل ما يمس (القدسية) المُدعاة لهذا الجسم السرطاني الخرافي.
قد نتفق مع حديث الدكتور لوكا بيونق، بان إصرار قيادات المجلس على تعمية الحقائق سوف تساهم في التفكك الوشيك للبلد، وفي قوله ايضا – إستناداً على آراء المواطنين خلال برنامج الحوار الوطني – ان اغلب الجنوبسودانيين بما فيهم ابناء القبيلتين الكبيرتين (الدينكا والنوير) يريدون تنحي الرئيس سلفا كير والدكتور ريك مشار طوعاً، لتفادي الإنزلاق إلى مستنقع العنف، ما لم تكن هناك إرادة سياسية ورؤية قومية للخروج من الأزمة الراهنة، ولكن نشك في ان الحركة الشعبية الموحدة يمكن ان توفر هذه الرؤية، سيما وان الحركة نفسها ساهمت بشكل أو بآخر في التدخل السافر للمنظومات القبلية على شاكلة (جيينق كانسل) ومن شايعهم في العمل السياسي.
لقد ظهرت مجلس أعيان الدينكا والأجسام القبلية الأخرى، كنتاج طبيعي لحالة الفراغ العريض، التي خلفتها ضعف الأحزاب السياسية في مقدمتها حزب الحركة الشعبية الحاكم، وغياب مجتمع مدني حقيقي وفعال، و لأن الجماهير تبحث دائماً عن كيان يحقق مصالحها ويلبي تطلعاتها لم تجد غير الأجسام المجتمعية، وبسبب طبيعة تكوين واهداف هذه الاجسام لم تستطيع لعب الدور الطبيعي للأحزاب السياسية، ومن هنا بدأت حالة الإختلال الماثل حالياً.
هولاء القيادات السياسية التقليدية، الذين إنتهت فترة خدمتهم الإفتراضية، يبحثون عن إعادة (البعث سياسياً) .. وهدفهم ليس حماية مصالح إثنيتهم كما يدعون، فمصالح الدينكا كواحدة من القوميات التي تشكل الكيان الذي يعرف بجنوب السودان ليست مهددة من احد، وأبناء الدينكا كذلك ليسوا مستهدفين بل ضحايا، والحوادث التي يستشهدون بها بما في ذلك القتل المنظم والتصفية وخطابات الكراهية والتحريض، لم يسلم منها احد في سائر القوميات الأخرى، وتلك هي معنى (الحرب) والوضع الطبيعي لزج القبائل في اتون المعارك السياسية العبثية، إن الهدف الحقيقي لقيادات الـ (JCE) كما يتضح جلياً هو النفاذ إلى السلطة وتراكم الثروة والمال، واستخدموا لذلك آليات وأدوات الدولة، تحت تواطؤ الحكام، لتحقيق هذه المصالح الذاتية التافهة، وليتهم اكتفوا بذلك، فقد كانت تدخلاتهم (المشاترة) في الشأن السياسي، في الكثير من الأحيان، سبباً لتحفيز وتأجيج الصراع في البلاد.
لمثل هولاء – كما نقول دائما – أصبحت المهمة مزدوجة وشاقة، على جيل من الشباب المستنير الحادب على مصلحة ومستقبل البلاد، وبعض الشيب الشرفاء، ومن خلفهم الجماهير التواقة لتغيير الأوضاع للأفضل، يناهضون نظام دموي وقمعي ونمط من الحكم (سلطة كبار الأعيان) اثبت فشلها حتى الأن، ويناهضون مجموعة من الإنتهازيين الذين نصبوا انفسهم حراساً لـ (المجلس)، بيد ان عهد التسطيح بالجماهير وبيع الوهم والكذب، قد مضى بلا رجعة، ونحن على اعتاب مرحلة جديدة – بل دخلناها فعلا – عمادها التنوير والتثقيف، ونحو ثورة ضد الذات والأفكار والتابوهات والواقع السائد، ومن أجل إعادة البوصلة إلى مسارها الصحيح والإنطلاق مرة أخرى.