كيف وصلنا لانقلاب ٢٥ اكتوبر.. مراجعات فيما جرى (١)
بقلم: وائل محجوب
هذه مراجعات لمسار العملية السياسية والثورية، الهدف منها فتح حوار مع الجميع حول مكامن الخلل الذي لازم تعامل مختلف القوى منذ الثورة وحتى اليوم ساحاول أن أمضي فيها تباعا، وهي مساهمة في إدارة حوار بين المختلفين من شتى القوى والاتجاهات.
• عدم التوصل لفهم مشترك حول طبيعة مرحلة ما بعد ١٣ ابريل ٢٠١٩م قاد لكل الاشكالات التي نواجهها حاليا وصولا لانقلاب ٢٥ اكتوبر، ولصراع مستمر في الرؤى يصل لحد التصادم، بين مجموعة ترى أن النظام سقط وعلينا التوجه للبناء مثلتها قوى الحرية والتغيير بمجلسها المركزي، ومجموعة رأت أن النظام لم يسقط وعلينا العمل لأسقاطه، وأن ما تمخض عنه الاتفاق والوثيقة الدستورية ما هو الإ استمرار لنظام الانقاذ بشكل جديد وتصدر تلك المجموعة الحزب الشيوعي، وتوافقت معه رؤية بعض القوى الثورية والسياسية.
• هذا الخلاف في الرؤى لم يكن مبعثه فقط تقديرات سياسية لكل طرف، انما يستمد عمقه من المواقف الفكرية للقوى المختلفة حيال نظام الانقاذ، وتحليلها لطبيعته، ومن ثم موقفها الاستراتيجي مما حمله كمشروع سياسي طوال عهده، فبينما كانت هناك قوى ترى أنه يكفي سقوط رأس النظام وقيادته الرئيسية، ومن الممكن احداث تغييرات كبيرة تصب في اتجاه انجاز التحول الديمقراطي، ولعل تلك الرؤية كانت الدافع لتبني قوى ندأ السودان لمسارات متعددة في مواجهة نظام الانقاذ من بينها الحوار السياسي، والمشاركة في الانتخابات كمداخل لتفكيك النظام، وهو ما اصطلح على تسميته بالهبوط الناعم، بينما كان موقف قوى بارزة تصدرها الحزب الشيوعي وتحالف الاجماع الذي يقوده هو اسقاط النظام بالكامل، كمدخل لتفكيكه والانتقال للحكم المدني الديمقراطي، وكان ذلك اختلافا جذريا وجوهريا وفكريا.
• وفي تقديري.. لم يكن هناك استعداد للتعامل مع سقوط النظام كما يجب من قبل القوى السياسية المختلفة، لأسباب ذاتية وموضوعية، تتمثل في مشاكل القوى المختلفة التنظيمية المترتبة على طول بقائها تحت الحكم الشمولي مما أثر في سلامة اوضاعها التنظيمية الداخلية وعلاقاتها بالجماهير، التي كانت قد بلغت مبلغا وصل حد العداء من الشارع للقوى الحزبية المختلفة، ولأسباب تتصل بعدم استعداد جميع القوى لما بعد سقوط النظام سياسيا، وما تكشف من ان غالبها تفتقر للحد الادنى من المعرفة بطبيعة نظام الحكم وشكل الدولة الذي هندسته الانقاذ، بل معرفتها حتى بالقوانين والنظم والاجراءات التي تحكم جهاز الدولة، وتفرض بها الانقاذ سيطرتها على البلاد.
• لم تكن القوى المشكلة لتحالف الحرية والتغيير بكامل فصائلها تملك اجابة لسيناريو “اليوم التالي”، وهو اليوم الذي يعقب سقوط النظام مباشرة، لم تكن مستعدة وجاهزة بأي تصور للحكم، خارج الاطار النظري شديد العمومية والانفصال عن الواقع، والذي ثبت بؤسه وضعفه ببرامجها الفقيرة التي طرحتها للحكم الانتقالي.
• لقد بدأت خلافات قوى التحالف مبكرا منذ اليوم الأول، وانقسمت حيال تسلم السلطة من العسكر فورا وفق ما كان ينادي به الحزب الشيوعي وحيدا، أو القبول بالشراكة مع العسكر، لمواجهة تعقيدات الواقع السياسي والعسكري الذي خلفته الانقاذ باجهزتها ومليشياتها الموازية التي صنعتها، بينما كانت في تلك اللحظات الجماهير هي الحاكم الفعلي للبلاد في اعتصام القيادة، وكانت لا تريد في واقع الأمر سوى الحكم المدني الكامل، وهي مستعدة لفرض أي خيار تطرحه قوى التحالف.
• النظام لم يسقط بحسب تصور قحت الذاهل عن حقائق الواقع، ولكنه كذلك لم يبق كما هو وفق تصور المجموعة الثانية، وما حدث هو ان راس النظام وقادة صفه السياسي والتنفيذي والديني، وأبرز مؤسساته الاقتصادية الدينية والأمنية، قد سقطوا وسقطت معهم مشروعيته السياسية، وانهارت شرعية الغلبة والقوة التي اعتمد عليها كنظام حكم، وانتقلت الثورة تبعا لذلك التغيير الفوقي لمربع مغاير يتتيح لها مواجهة بقايا النظام بتكاليف أقل وحماية أكبر، وتوجيه ضربات متوالية له تهدم أسسه، وتفكك اوصاله، بقوة دفع الصعود الجماهيري، وبسلطان الدولة وقراراتها النافذة والمحمية بالارادة الشعبية.
• هذه العملية المعقدة كانت تستوجب استيعابا مغايرا عما حدث، لأن عملية اسقاط وتفكيك دولة حزب واحد حكمت قرابة ثلاثين عام، لن تكون بالسهولة التقليدية التي عرفها أهل السودان مع نظامي نوفمبر ومايو، انما تحتاج نضالا متصلا ونوعيا للاجهاز عليها، وفي الحق كانت تحتاج لثورة موازية من القوى السياسية وهياكلها ونشاطها الجماهيري، اولى عتباتها هي استرداد واصلاح علاقاتها مع الجماهير، وتحسين اوضاعها الداخلية، ولعله من المدهشات ان الفترة منذ تشكيل الحكومة الانتقالية الأولى وحتى الانقلاب لم تشهد مؤتمرات عامة لغالبية الأحزاب، وتراجعا غير مسبوق عن كافة أوجه النشاط الجماهيري، من ندوات ولقاءات ومخاطبات جماهيرية، وانشطة، وقد ساعد هذا الفراغ والانقسام السياسي والتراجع الجماهيري والضعف التنظيمي لاحقا على استعادة قوى النظام المدحور لانفاسه، وعودتها للواجهة لتمثل تهديدا جديا للثورة ومسارها.
• المدهش أن هذا المعنى الملتبس لطبيعة التغيير الذي حدث استوعبه الشارع سريعا بلجان مقاومته منذ اليوم الأول، فهو قد أيد الاتفاق واعتبر الحكومة انتصارا مكتسبا لثورة ديسمبر، وقام باسنادها في شهورها الأولى حينما هجمت عليها عناصر النظام البائد وحاولت خنقها بالأزمات المعيشية وخلق ندرة في السلع الاستراتيجية، مثل الدقيق والوقود والغاز وتعطيل دولاب الدولة، فسدت الثغرات وحاصرت المفسدين وراقبت مسار التموين والجهات المسئولة، فبات شبابها يسهرون على ضمان انسياب الدقيق للمخابز وسدوا ابواب التلاعب والتهريب ونظموا انسياب البترول للمحطات، وصارعوا في كل الجبهات فحسموا مخططات قوى الثورة المضادة في مهدها.
• وبينما كانوا يقومون بهذا الدور الوطني كانوا ينظمون مليونياتهم الواحدة تلو الأخرى، دفعا وضغطا متواصلا لتحقيق شعارات الثورة، اصلاح المنظومة الشرطية وحل جهاز الأمن، اصلاح المنظومة العدلية والقضاء، مواكب العدالة للشهداء، وغيرها، كان يحدث هذا بينما كان لفيف من ناشطي القوى السياسية يتبادلون الاتهامات والاساءات والغمز واللمز في مواقف بعض أحزابهم البعض.
• وقد ظل موقف الشارع تجاه الحكومة الانتقالية ثابتا حتى حينما تنكبت الطريق تماما، كان يحافظ عليها ويتحاشى مواجهتها، ويواجه اعدائها، لثقته في قدرته على تبديلها واجبارها على المضي في طريقه، وظل ذلك الموقف ثابتا حتى مليونيات ٢١ اكتوبر، وتبلور موقفه في دعمه لرئيس الوزراء د. عبد الله حمدوك خلال فترة اعتقاله عقب الانقلاب وحتى سقوطه باتفاق الاعلان السياسي في ٢١ نوفمبر، وتلك مآثرة من عبقريات الشعب السوداني.
• ولأن المقدمات الخاطئة تقود لنتائج خاطئة.. فقد انسحب خطل التقييم على تحليل وضعية العسكر، من هم وما هي أهدافهم؟ وهل هم مجرد عسكر دفعت بهم الظروف لتصدر المؤسسات العسكرية والأمنية؟ أم ينتمون عضويا للنظام البائد ويمثلون مصالح النظام القديم للأنقاذ ويحاولون حمايتها؟ وهل ما تم في ٣ يونيو كانت مجرد مجزرة الهدف منها تصفية الثورة ماديا واستيلاء العسكر على السلطة، أم كانت انقلابا كاملا حمل روح الانتقام والتشفي من الثوار، والهدف الحقيقي له كان ضرب الثورة، واسترداد السلطة لمصلحة بقايا الانقاذ وعناصرها، وحمايتهم من مساءلة وعقاب الثورة على افعالهم.
• كان ذلك التحليل مهما واساسيا ليس فقط لمعرفة دوافع تلك المجموعة، انما لمعرفة كيفية التعامل معها، والحفاظ على مكتسبات الثورة والدفاع عنها، في مواجهة أي محاولات من جانبها لتصفية الثورة، ولعل خطل قرأة مجموعة المجلس المركزي ابتدأ لما حدث بان النظام قد سقط، قاد لسذاجة لا مثيل لها من جانبهم ومن جانب الحكومات التي تشكلت، وسؤ تقدير لوجود العسكر وقدراتهم ونواياهم، لذلك انتشرت اقاويل من شاكلة نعمل بتناغم، وان هذه القوى شريكة في الثورة، وان الثورة ما كانت لتنجح لولا مواقفها الداعمة لها، وتبع ذلك التغاضي المتهاون عن تصحيح مسار الأجهزة الأمنية والشرطية، واسترداد مؤسسات القوات النظامية لولاية وزارة المالية وغيرها من الأخطأ، بل أن البعض صار يبرر حتى للقمع الذي يتم تجاه الحراك السلمي للقوى الثورية، وصار بعض المسئولين شركاء فيه بحكم وجودهم في مواقع السلطة التنفيذية.
• حدث ذلك على الرغم من أن “الكتابة كانت على كل الحوائط”، حول دورهم ومسئوليتهم لأعوام في حماية نظام الانقاذ، وقيادة عملية القمع طوال مسار الثورة باعتبارهم كانوا يشكلون أعلى لجنة أمنية للنظام وبقوا في مواقعهم لسنوات، وذلك لم يغب أبدا عن ذهن الثوار في الشارع، وكان هو تحليل الحزب الشيوعي منذ الثالث عشر من ابريل الصائب لهذه المجموعة.
• وعلى الجانب الآخر فإن اعتبار ان الانقاذ لم تسقط واعتبار الحكومة الانتقالية امتدادا لها، والتعبئة ضدها حتى الوصول لمرحلة المطالبة باسقاطها، أخل بواحد من أهم شروط التعامل مع المرحلة، وتجلى ذلك في ابتعاد الحزب الشيوعي ورفع يده بالكامل عن كل ما يتعلق بها، وبالمؤسسات المرتبطة بتحقيق شعارات وأهداف الثورة، باعتباره الفصيل الأكثر معرفة ودراية بخفايا وخبايا نظام الانقاذ، وتنظيمات الحركة الاسلامية وتشكيلاتها المختلفة، والأكثر رصدا لعناصرها، ووقوفه بعيدا عن مواجهة ومحاصرة بقايا الانقاذ وتفكيك معاقلها، بالاستفادة مما أتاحته الوثيقة الدستورية نفسها من حكومة تملك السلطة لذلك، وتطوير مشروع مدني متكامل في مواجهة مشروع ونوايا العسكر، من خلال الانخراط في تأسيس جدار عازل لتحصين المرحلة من الانزلاق للانقلابات، سوأ في جبهة العمل النقابي أو تطوير الحراك المدني بتفعيل العمل الجماهيري الواسع وتنظيم صفوف الجماهير، ودعم جهود تفكيك حلقات سيطرة الانقاذ على جهاز الدولة بدء من اللجان الشعبية والمحليات وانتهاء بالولايات، وهذه العملية ما كان لها أن تتم في ظروف الانشقاق والانقسام الحاد الذي شهدته الساحة، ووصل حد العداء والكيد والتربص السياسي من قبل القوى السياسية ببعضها البعض، مما انعكس انقسامات أفقية وراسية شملت كافة المؤسسات والأجسام المدنية والمهنية، وكاد أن ينتقل حتى للجان المقاومة وينسفها بالاختراق والاستقطاب ومحاولة القفز لقيادتها.
• نعم لم تسقط الانقاذ بشكل كامل.. ولكنها كذلك لم تبق على حالها حاكمة ومتحكمة في السلطة.. وكانت تحتاج عملا جماعيا لانهاء وجودها، وتفكيكها لم يكن ترفا انما كان مسئولية وواجب جميع قوى الثورة، وهو أمر لم يتحقق بسبب خلافات النظر ابتدأ بما تم منذ عملية التفاوض مع العسكر، وما اكتنفها من تنازلات وتغييب لقوى مختلفة، عزز من شكوكها بوجود مؤامرة تم طبخها بليل بين بعض قوى التحالف مع عسكر اللجنة الأمنية والمحاور الخارجية.. مرورا بالتكتلات داخل الحرية والتغيير ونزوع بعض مكوناتها للهيمنة على القرار، وانتهاء بمسار الحكومة الانتقالية نفسها، ودق عطر منشم بين مكوناتها يستمر حتى يوم الناس هذا.. فضاعت على الجميع فرصة نهوض الحركة الجماهيرية المتصل منذ الثورة لقيادة عملية تفكيك منهجية لمعاقل الانقاذ، وتفكيك منظوماتها في كل المجالات، وتحجيم ومحاصرة العسكر من سدنتها وصنائعها.. حتى انقلبت المعادلات ولم يتبق في أيدي الحركة الجماهيرية سوى شارعها الثوري، بلجان مقاومته التي صنعها وحماها وأدخرها لمثل هذا اليوم.
(نواصل)