قطاع غزة وغياب الحل السياسي
بقلم : سري القدوة
تشهد تطورات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة حالة من التعثر المعقد، في ظل استمرار الخروقات الميدانية وتضارب المسارات السياسية، ما يثير مخاوف متزايدة من انهيار الاتفاق أو بقائه شكليا دون تطبيق فعلي، وأن الحرب في غزة لم تتوقف فعليا، بل تغير شكلها، وواصل جيش الاحتلال عملياته العسكرية المستمرة بوتيرة متقطعة، تشمل قصفا واغتيالات وحصارا مشددا .
ولا يزال نحو 60% من مساحة القطاع خاضعة لسيطرة إسرائيلية مباشرة مع استمرار عمليات التدمير الممنهج، خاصة في المناطق الحدودية، ما يجعل الواقع الإنساني كارثيًا دون أي تحسن يذكر منذ إعلان وقف إطلاق النار، وان حكومة الاحتلال لا تبدي رغبة حقيقية في تنفيذ بنود الاتفاق، خصوصا ما يتعلق بالانسحاب أو إدخال مساعدات كافية، كما ترفض إدخال أي قوة دولية، بما في ذلك قوة الاستقرار التي نص عليها اتفاق وقف أطلاق النار، ما يعكس سعيها للإبقاء على السيطرة الكاملة على القطاع .
ويشهد قطاع غزة خروقات مستمرة وأزمة إنسانية متفاقمة في ظل هشاشة اتفاق وقف أطلاق النار وتشير المعطيات إلى مئات من الخروقات خلال شهر واحد، أسفرت عن سقوط عشرات الشهداء ومئات الجرحى، وفي ظل الحصار المستمر، يعاني القطاع من أوضاع إنسانية متدهورة، تشمل نقصا حادا في الغذاء والدواء، وارتفاع معدلات البطالة، وتدميرا واسعا للبنية التحتية .
وفي المقابل، تشير المعطيات إلى موافقة إسرائيلية مبدئية على دخول اللجنة الوطنية لإدارة غزة، برئاسة علي شعث، إلا أن دخولها لا يزال معطلا فعليا، في ظل غياب الضمانات والإمكانات اللوجستية والأمنية اللازمة لعملها، بينما شهدت العاصمة المصرية القاهرة حراكا تفاوضيا مكثفا بمشاركة فصائل فلسطينية ووسطاء دوليين، من بينهم نيكولاي ملادينوف، في محاولة لإنقاذ الاتفاق، وتتمحور الخلافات الرئيسية حول إصرار إسرائيل على ربط الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، التي تشمل الانسحاب وإعادة الإعمار ونشر قوات دولية، بملف نزع سلاح الفصائل الفلسطينية، وهو ما ترفضه الفصائل بشكل قاطع .
وبات من الواضح ان حكومة الاحتلال لم تعد بحاجة إلى العودة إلى حرب شاملة بالشكل التقليدي، مفضلة استخدام أدوات الضغط المستمر مثل الحصار والتقييد الاقتصادي والقصف المباشر لبعض الأهداف، لتحقيق أهدافها دون كلفة سياسية وعسكرية كبيرة .
ومن الناحية العملية يبقى مستقبل الاتفاق مرهونا بقدرة الوسطاء على تحقيق اختراق في الملفات العالقة، وسط مخاوف من أن يؤدي استمرار التعثر إلى تثبيت واقع اللاحرب واللاسلم، حيث يستمر النزيف دون أفق واضح للحل، ويقف اتفاق وقف إطلاق النار في غزة عند مفترق طرق حاسم، بين مسار تفاوضي هش وعراقيل ميدانية متواصلة، فيما يدفع السكان المدنيون الثمن الأكبر في ظل غياب حل سياسي شامل يضمن إنهاء الحرب وبدء إعادة الإعمار .
سفير الإعلام العربي في فلسطين
رئيس تحرير جريدة الصباح الفلسطينية
infoalsbah@gmail.com