قراءة .. لرواية بئـر الدهـشـة

قراءة تحليلية لرواية (بئر الدهشة)

صدرت هذه الرواية عن دار روافد للنشر والتوزيع في القاهرة، في العام 2017.
للكاتب: المعز عبد المتعال سر الختم.

رواية (بئر الدهشة)، رواية إجتماعية تصف الحياة الإجتماعية في مناطق (النوبة) بشمال السودان، تعكس جدلية فلسفة الحياة والموت وتناقضهما بأسلوب سردي في غاية الجمال والإبداع، تبدو الرواية سياسية في بدايتها وهنا كانت بداية الدهشة في (بئر الدهشة).

دهشة أولى
بدأت الرواية أحداثها كأنّها رواية سياسية، يستغرق فيها القارئ، يعدو ويلهث داخل الأحداث في تلك الحقبة التاريخية التي تزامنت وانقلاب (هاشم العطا)، وهنا تظهر الدهشة الأولى، والمفاجأة التي تجعل القارئ يُمعن في القراءة بحثًا عن أحداث سياسية بين السطور، فتجده يغوص أكثر، وينجذب إلى عُمق الأحداث الإجتماعية ويغرق في بحر الدهشة والذهول، لماذا ساق الكاتب القارئ في هذا الإتجاه؟ هل يقصد تشويق القارئ باغراقه في الغموض؟ إلى ماذا يريد أن يلفت انتباه القارئ بهذا الانقلاب؟!

دهشة ثانية
جسّدها الكاتب في دهشة الأمومة والموت، (فاطمة) الأم التي تضحي بحياتها من أجل أن تهب الحياة لغيرها، فميلاد ابنتها (أسماء) كان حياة لها ولأبيها، وموتها في لحظة المخاض، ماهو إلا تجسيد لعظمة الأنثى (الأم) حين تمارس دهشة الأمومة وتقدّم نموذجًا فريدًا لتضحية تزف بها روحها إلى الموت في مقابل أن تمنح لحظة ميلاد إبنتها (أسماء).

وهبت (فاطمة) الحياة ل(أسماء) وفارقت هي الحياة، وهنا تكمن فلسفة الحياة والموت، أن تكون لحظة الحياة والموت في آن واحد، فلسفة إختيار الموت مقابل منح الحياة، فكان ميلاد (أسماء)، ساطعًا كالشمس، بهيًّا كالقمر، أخذت من جمال الطبيعة جمالها الساحر، أنثى قويّة، ذكيّة، لديها سطوة جاذبة، تسبق سنوات عمرها بكثير، حين كتب المعز:

“لم تُرعبني فكرة في حياتي يا( أسماء)بقدر ما أرعبتني فكرة الموت ولم تدهشني فكرة بقدر ما ادهشتني غريزة الأمومة، كيف تنازلت فاطمة عن حياتها من أجلك؟ كيف ينتصر الموت على الحياة؟ وتنتصر الحياة على الموت في نفس اللحظة؟ كيف يلتقي النقيضان ويتبدّل الموت إلى حياة، وتُستبدْل قسوة النهاية إلى هدير الوجود؟، كان مولدك لحظة موتها، فكان التقاء شبح الموت بسحر الحياة، والتقاء الرعب بالدهشة، وكان طعم الإنتصار، بقدر ما أرعبني فقد أمك بقدر ما أدهشني جمال وجودك يا (أسماء)”.

في لحظة صراع و مخاض مخيف من أجل الحياة لغيرها، إنتصرت إرادة الموت لتحيا (أسماء) مهزومة بفقد أمها، وترحل(فاطمة) مُنتصرة بميلاد إبنتها.

دهشة ثالثة
في تناول مفهوم الشرف، حيث تكمن الدهشة في تصوير إحساس الأنثى البكر البريئة الصادقة في حوار( أسماء)، حوار النفس مع النفس، لماذا شعرت بالإثم لمجرد قُبلة؟ ثم ماذا تعني قبلات لم تفضي لفقدان كامل للعذرية والشرف؟ وما الشرف؟ وأين موضعه؟ هل بين شفتيها؟ ام فخديها؟ وما عقوبة القُبلات في الشرع؟ وهل هي الآن في نظر الدين زانية؟ ام فاقدة لربع شرفها؟ وكيف تسترد كامل شرفها المفقود؟ هل تكفي التوبة؟ وأين يكمن شرف الرجل؟ بين شفتيه أيضًا، ام بين فخديه، ام خلف عقله المريض؟

هل تراه شعر بنفس شعورها؟ ام مصّمص شفتيه ونام هانئ البال؟ لماذا تشعر هي بتأنيب الضمير لمجرد قُبلة؟ لماذا لايشعر هو بذلك؟ اوليس الله يعاقب الرجل والمرأة على حدٍ سواء؟ وبنفس الإثم؟” هذا الحوار من أكثر الحوارات شفافية، هكذا خدّرت (أسماء) ضميرها لتقبل هذه الزيجة من زوجها الأول (إبراهيم) وقد كان، لكنها وهبت لزوجها كل شئ في جسدها وحرّمته من شفتيها لاعتقادها أنّها ليست بكرًا، وأنّها المنطقة الوحيدة في جسدها التي لم تحافظ على بكّارتها، فكات عقابًا منها لكليهما، فحرمان روحها من القبلات التي منحتها ل(عبد التواب) صارت منعدمة مع زوجها، وكان هذا أقسى أنواع العذاب!.

جدلية مفهوم الشرف كان تناوله مدهشًا من الكاتب، فكان مفهوم الشرف منديلاً مزينًا بدم الزوجة في ليلة الدخلة، جعلت (إبراهيم) يرقص من الفرح، ويحتفظ بالمنديل في خزنة ملابسه لأنّه كنز ثمين ودليل شرف!، هنا يراودني سؤال، هل سيتغير هذا المفهوم بعد أن صنعت الصين غشاء تجاري لبكارة تُباع مثلها مثل أرخص البضائع في الاسواق؟!

تمضي أحداث الرواية، وبعد موت زوجها الأول (إبراهيم)، هاهي (أسماء)، تتزوّج من حبيبها الأول (عبد التواب)، وتتجدّد مأساة الشرف، في حوارها معه”

– حين تنعدم الثقة يموت الحب وتندثر الرحمة.
– أنت من فضّ بكارة شفتي، كنت في سن الأحلام وكنت أنت فارسي، توسّلت إليك أن تتقدّم للزواج منّي فرفضت، أنت من دمرّ هذا الحب منذ ولادته، دمرته بحبك لنفسك وحبك للمال.

– بل أنتِ من دمّر هذا الحب، لماذا سمحتي لي بتقبيلك، شعرت وقتها أنكِ لقمة سائغة يمكن أن يتذوّقها أي إنسان بسهولة، حين وصلني خطابك تخيّلت أنّها محاولة منك للزواج وتكفير لذنبك!

في هذا الحوار تجسيد مُدهش لعقلية الرجل الشرقي مهما كانت بيئته؛ في القرى والحضر وفي المهجر، نفس طريقة التفكير مهما كانت حبييته مخلصة له، لو عبّرت عن أحاسيسها ورغباتها معه، تكون لعوبة، ولا تصلح للزواج، فيبحث عن أخرى بلا تجارب، في إعتقاده أنّها بكر في كل شئ، وهذا من أسباب تعاسة كثير من الأزواج، تخلّو عن حبيبة كانت تسعدهم من أجل تفكير مريض، ناسين أنّهم في الأصل سيتزوجون في أغلب الأحيان من كانت حبيبة لغيره.

ما قدّمه الروائي الحاذق المعز عبد المتعال، هو تصوير رائع لعقلية الرجل الشرقي، والمدهش أكثر أن يصوّره كاتب من نفس الجنس وبكل هذه الشفافية!

دهشة رابعة
صوّرت هذه الرواية مع الإثارة والدهشة التي تعتري القارئ بين سطورها، شكل الحياة في القرى النوبية والطبيعة الخلّابة في القرية، حيث يصف الكاتب الطبيعة بشكل آسر، فائق السحر والعذوبة، كأنّه يصوّر بعدسته لوحة طبيعية شديدة البهاء، حين كتب:

“وشجيرات النخيل الصغيرة تدنو أعطافها للأرض تُغازل خلايا الطمي، تستشِف عطره المثير، والنيل يختبئ خلفها في بهاء يحمل سرّ التدفّق وسحر الخلود، يقبع آمنا، يُسامر شاطئيه في حنان، وعلى صدره مركب يقوده صائد سمك، يرمي شباكه في يقين، وثور حول مزارع القمح يدور حول ساقيته بصبرٍ وعناد، حوله بقرات وافرات الضروع، وجحش مربوط بوتدٍ على الأرض”.

كما وصف شكل المنازل في القُرى النوبية، البيوت مشيّدة من الطين، مسقوفة من أشجار النخيل، مطليّة باللون البُنّي وعلى جانبي الباب نقوش نوبية ملوّنة بلون بُنّي داكن، وعلى ألأعلى قرن ثور مُدبّب يبدو مُنتصبًا كأنّه إله طوطمي تآكلت حافته بفعل الزمن.

(ألسي، ألسي، نلسي) هذه مقاطع من أغاني النوبة التي كانوا يتغنون بها في مناسبات الزواج، رقصنّ النساء والفتيات على أنغام الطمبور النوبي، يرتدين العباءات السوداء، تتشابك أيديهنّ، يملنّ معًا في نشوة ودلال، والرجال في مواجهتهن يرتدون جلاليبهم البيضاء، يصفّقون بشكل نصف دائري، ينحنون أحيانًا وينهضون بسرعة تتناغم مع أنغام الطمبور.

دهشة خامسة
جسّدت هذه الرواية مآسي النساء في المجتمع النوبي، مشكلة العنوسة، وتعدّد الزواج، والطلاق، وقلّة التعليم، هذا ما عكسه الحوار أدناه بين مُطلّقة وأرملة:

“-أن تكوني أرملة أفضل بكثير من أن تكوني مُطلّقة.
– هل للحزن أفضلية؟
– لِحُزن المُطلّقة نكهة أسوأ.
– للأرملة حزن لا ينتهي، فمن مات لن يعود، أمّا المُطلّقة فيمكن أن تُرد لطليقها.
– المطلّقة ضحية، مغدورة من الخلف، لها جرحٌ يتقيّح ويتسبب في قتلها يوميًا ألف مرة، والقاتل قنّاص يُجيد التخفّي والهرب، يظهر أحيانًا في ثياب الضحية وينجو من عقاب مُحتمل، أمّا الأرملة فليست ضحية، فالموت هو النهاية الحتمية لكل الكائنات”.

صوّر الكاتب المعز بعدسته الدقيقة حُزن النساء، ولأي مدى يتفاوت بؤسهنّ من واحدة لأخرى، مابين مطلّقة وأرملة وعانس، ورغم بؤسهنّ المشترك، إلا أنهنّ يتميّزن بالقوة والاعتزاز بالنفس والكبرياء، يرفضنّ الخنوع والذُل لشيخ القرية، ويفضلنّ الطلاق إنتصارًا لكرامتهنّ.

دهشة أخيرة
توالت عواصف الدهشة على (أسماء)، فكانت دهشتها الأخيرة ما أودت بحياتها، سطعت هذه الدهشة عندما وجّه لها زوجها (عبد التوّاب)، الإتهام القاتل الذي شكّل بداية النهاية لحياتها معه، قال أنّها لا تريد الإنجاب منه حتى ترث هي وابنتها (من زوجها السابق) ثروته، بالرغم من أنّه أول من فضّ بكّارة قلبها وشفتيها، مسبّبًا لها عقدة ذنب وعذاب ضمير، راودتها الهواجس، ربما عدم التكافؤ في الزواج، وتفاوت الطبقات الاجتماعية بين الناس تؤثّر على طبيعة العلاقة الإنسانية، ولأنّها فقيرة وهو غني، نسى حبها له، فكّر في الثروة والمال وأفسد حياته وحياتها، إنهارت بداخلها كل المشاعر، طلبت الطلاق، وفضّلت الرجوع لحياة الفقر والجوع على أن تعيش مع زوجٍ كثير المال، قليل الإنسانية، حتى وفاتها في دار أبيها بلدغة عقرب.

شارك على
Comments (0)
Add Comment