رثاء الراحل العزيز احمد عبدالرحمن محمد ابن السودان البار

كلام بفلوس…بقلم: تاج السر محمد حامد

رثاء الراحل العزيز احمد عبدالرحمن محمد ابن السودان البار و عمدة الاسلاميين فى السودان ،

وصلنى المقال أدناه من سعادة نائب القنصل المستشار (محمد زكريا) بالقنصلية السودانية العامة بجدة .. التى سطرها قلم والده (البروف زكريا بشير أمام) يرثى فيها وبمآثر حزاينية تقطع انياط القلوب صديقه الفقيد (احمد عبدالرحمن محمد) قائلا :

مضت الأيام والشهور والسنوات منذ رحيل الفقيد العزيز احمد عبدالرحمن محمد ولا نقول انه فقيد السودان فحسب بل نحسبه فقيد الامة العربية والاسلامية جمعاء .. و كاتب هذا المقال واحد من الذين قضت مضاجعهم و است ايامهم و لياليهم و كل ما خطرت ذكراهم اعتصرت وجدانهم بألم دفين وامتلأت العيون بدمع غزير دافق ..
(إنا لله وإنا إليه راجعون )

قذى بعينكِ أمْ بالعينِ عوَّارُ أمْ ذرَّفتْ إذْ خلتْ منْ أهلهَا الدَّارُ

كأنّ عينى لذكراهُ إذا خَطَرَتْ فيضٌ يسيلُ علَى الخدَّينِ مدرارٌ ،،

وبالنسبة الى كاتب هذه السطور .. فإن علاقته بالفقيد مما يصعب عليه أن يحددها .. فهى علاقة ذات جوانب كثيرة شتى إمتدت فى الزمان طويلا .. منذ منتصف القرن الماضى .. وغارت فى الجوانح غورا بعيدا .. فهى علاقة تلميذ مجتهد بأستاذه الهمام فى مدارس (بربر) الوسطى ..
و هى صلة الشاب بمن يراه مثالاً له و قدوته التى يتطلع اليها . وهى بعد ذلك علاقة الصديق الصغير بالصديق الكبير الذى يلجأ اليه طلباً للهداية والنصح
و هى كذلك علاقة الشيخ الصوفى الملهم بمريده وحواريه الصغير .. بل هى اكثر من ذلك كله ، وكأنها كانت – ولا اتردد ان أقول – انها كانت اشبه بعلاقة الاخ الشقيق بأشقائه الصغار .
( إنا لله وإنا إليه راجعون ) .

و فى المرحلة الثانية التى امتدت من 1956م – 1960م ، كان الفقيد و قد عرف بمحبته الشديدة لمدينة (بربر) و هى موطن اسرته ذات الاصول التى تنتمى الى قبيلة (العبابدة) من جانب الوالد و قبيلة الركابية من جانب الام .

وكان يقضى اجازته الصيفية فى مدينة (بربر) وكان هو الذى يجمع طلابها و شبابها على شتى انواع النشاط الثقافى والرياضى والدينى .. وكان الفقيد فى تلك الفترة من حياته شعلة من النشاط والحيوية .. طويلاً نحيلاً وسيماً .. يطوى مدينة بربر من جنوبها حتى بيت اسرته فى مشارف حى الدكة والى شمالها فى احياء ( القدواب ، نقزو مرورا بحي المنيدرة ) حيث بها ديار آل إمام ، و شرقاً الى حى المدارس ثم سوق بربر الكبير ، و غربا منزل النعيمة الكبير الملقب بقلعة عثمان النعيمة ويأتى مركز المدينة ومخفر الشرطة وبعد ذلك تأتى احياء القدواب وخاصة حى نقزو المشهور الذى يغنى له الشعراء يقولون :

متين ياربي نتهنأ يكون فى نقزو مسكنا

وكان الاستاذ الفقيد العزيز يقطع هذه المسافات كلها مشيا على الاقدام رغبة فى الالتقاء بمن يحب من الاخوان والشباب الذين كان يرعاهم ويسعى الى الالتقاء بهم واقناعهم بالانخراط فى الانشطة الذى كان ينظمها وخاصة الثقافية والدينية وكرة القدم .. وفى بربر وفى اثناء تلك العطلات الصيفية كان الشيخ العالم الربانى ( مجذوب مدثر الحجاز) يقدم محاضرات فى منزله دروسا فى شتى افرع المعارف الاسلامية من تفسير و حديث و فقه ، وكان الفقيد العزيز يحرص على حضور تلك الدروس و يشجعونا على حضورها كذلك .

و بسبب هذا النشاط المبارك اكتسب فقيدنا العزيز شعبية كبيرة وسط الطلاب و الشباب فى بربر و عطبرة و صار زعيما للمنطقة بلا منازع .
و عند تخرجه من جامعة الخرطوم التحق بمعهد ( الادارة العامة ) وتخرج من ضابطا اداريا بمنطقة الخرطوم الكبرى .. ثم ابتعث لنيل الماجستير فى الادارة العامة ونالها ، و بعد ذلك صار محاضرا فى معهد الادارة العامة ومستشارا لحكومة السودان فى وضع الاسس والمناهج والهياكل في كافة الوزارات والمراكز والادارات العامة .

ثم اغترب الى المملكة العربية السعودية ، فالتحق الفقيد احمد عبدالرحمن بجامعة الملك عبدالعزيز بجدة مديرا بإدارة المناهج والامتحانات .

التقاء (على قد ) بين الاستاذ احمد عبدالرحمن و كاتب هذه السطور كان ذلك اللقاء عندما جئت من الخرطوم بعدما فقدت وظيفتى كأستاذ الفلسفة فى جامعة الخرطوم بناء على اوامر الرئيس السابق جعفر نميرى رئيس جمهورية السودان الديموقراطية ، والقصة وراء ذلك لأنى كنت قد تحدثت فى ندوة سياسية داخل حرم جامعة الخرطوم معلنا معارضتى فى سن بعض القوانين التى تصادر حقوق الانسان الاساسية ومنها حرية التعبير ، تلك الندوة او الحديث الدى عرف فى ما بعد ( بندوات ثورة شعبان 1973م) . عندما جئت لجدة كنت بلا مال ولا دار لأسكن فيه . فعرض على الاستاذ الصديق ان يستضيفنى فى منزله واصر علي ذلك . فمكثت فى ضيافته الكريمة حتى تم تعينى استاذ مساعد (مدرسا ) فى جامعة الملك عبدالعزيز فى جدة وكانت شهادتى الدكتوراه من جامعة ( بتسبيرج) الامريكية . وكنت متميزا جدا حيث احرزت فى اثناء دراستى هناك جائزة ( اندرو ميلون millan /Andrew ) للطلاب المتميزين والذين هم من ذوى المستقبل الواعد وكذلك كان تقدمى للجامعة مشفوعا بتزكيتين واحدة من استاذىد العلامة عبدالله الطيب رحمه الله ، وكانت هناك بلا شك تزكية من صديقى احمد عبدالرحمن محمد رحمه الله رحمة واسعة .

و كانت وفاته في القاهرة 10 فبراير عام 2025م ألا رحم الله الفقيد احمد عبدالرحمن واسكنه فى فسيح جناته فى الفردوس الاعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا . والهم ذويه واحبابه الصبر والسلوان وجعل البركة في ذريته الى يوم الدين .
انا لله وانا اليه راجعون (انتهى) .

هكذا الصداقة والاخوة فى ذاك الزمان الجميل الرائع كروعة تلك الروح السمحة ألا رحم الله الشيخ احمد عبدالرحمن وأدخله فسيح جناته مع الصديقين و الشهداء ولاحول ولاقوة إلا بالله فالموت حق على الجميع ولا اعتراض ولاجدال فى حكم الله فهم السابقون ونحن اللاحقون حينما يحين موعد إقلاع رحلة كل منا .. وكفى .

شارك على
Comments (0)
Add Comment