بصراحة … بقلم: د. هاشم غرايبه 

 بصراحة … بقلم: د. هاشم غرايبه 

قال لي أحد مريدي العلمانية: ألا ترى أن المسلمين لا يتحدثون إلا بالماضي، وفي كل حالة تعترضهم يستحضرون نموذج السلف الصالح وكيف تعاملوا معها، فيما الغرب لا يتحدثون إلا عن المستقبل، لذلك هم دائما في تقدم وتطور، فيما نحن غارقون في التخلف والتراجع.

في حقيقة الأمر كلامه حق لا يمكن إنكاره، لكن ما أراده من ورائه باطل، وهو الإيحاء بأن الإسلام هو سبب تخلفنا، لكي يغطي على الأسباب الحقيقية، وهي موضوعية مصنوعة في جزء منها قصدا لإدامة هذه الحالة، وفي الجزء الآخر جهلا وضلالا عن فهم المشكلة.

بداية لا بد من التأكيد على أن تميزنا باستذكار التاريخ، فيما لا تجد الغرب مستغرقا مثلنا فيه، سببه الأساس أن تاريخنا مجيد، وأحداثه محطات إنسانية وحضارية مضيئة، وتدعو الى الفخار والإعتزاز كونه ليس قهرا للشعوب ولا استعبادا لها، بل نشر رسالة العقيدة الإسلامية التي تساوي وتؤاخي بين البشر، وتهدف لتحرير الإنسان من العبودية.

وأين منه تاريخ الأوروبيين القائم على التعالي على البشر بنظرية تفوق العرق الأبيض، واستثمار القوة في إخضاع الآخرين واستعمار بلادهم واستنزاف خيراتهم، فما الشيء المشرف الذي يمكن استحضاره!؟.

هل في حروب الإستئصال بين الأمم الأوروبية عندما غزت قبائل الهون الشمالية الجنوب فأحرقت وقتلت ودمرت!، أم في غزوات الفايكنغ للسواحل ونهبها..أم في حرب المائة عام.. أم في حروب الأحلام الإمبراطورية للسيطرة على العالم، كحروب الإغريق والرومان، وأحلام بريطانيا العظمى.. وأحلام نابليون..؟، أم الحروب الأهلية كحروب الإنجليز مع الإيرلانديين ومع الاسكوتلنديين..أم الحروب الدينية بين الكاثوليك والبروستانت.

أم سيعتزون بما أنجزته الحربان العالميتان من دمار وهلاك للملايين من البشر في كل العالم، من غير أن تحقق شيئا من تغيير الواقع القائم على التقاتل بدافع الطمع.

أم سيفتخرون بإفنائهم الملايين من سكان أمريكا ليستولوا على بلادهم..أم بالملايين من العبيد الذين اصطادوهم من بلادهم في أفريقيا وساقوهم كالدواب ليستعبدوهم!؟.

هل في حروبهم الإستعمارية في كل أقطار العالم ما يشرف؟. أم هنالك ما يبهج مثل إلقاء القنبلتين النوويتين على اليابان بلا أي مبرر عسكري سوى استعراض القوة.

بلا شك سيحاول الأوروبي المعاصر نسيان كل تلك الأحداث المخزية، والتي مهما نقب بحثا عن نقطة مضيئة فيها فلن يجد..

لذلك يحرص الغربي المنصف على تناسي تاريخ يخجل منه.

أما إن بحثنا في أسباب تخلفنا، فلن نجد أن التعلق بماضينا المشرق واحدا منها، بل هو المرتكز الأساس للحل، باستعادة التاريخ بغرض أخذ الدروس والعبر من أحداثه، والإضافة على منجزاته، وليس القعود والاكتفاء بالتفاخر الفارغ بما فعله الأجداد، وجعل ذلك أساساً يبنى عليه برنامج عملي – علمي للنهوض بهمة وعزيمة.

أسباب مشكلتنا الرئيسة المصنوعة تتمثل في أخطر نتائج هزيمة الدول الاستعمارية الأوروبية للدولة العثمانية، وهي تقسيم الأمة الواحدة لإضعافها، وفرض الهيمنة على الأنظمة السياسية لمنع استعادة الرابط الوحدوي وهو الإسلام، لأن الوحدة ستعيد للأمة استقلالها السياسي والاقتصادي المفقود حالياً، لذا فالحل يكمن في كسر هذه الحالة المفروضة.

إذاً فالماضي المجيد ليس معيقا، والتواصل معه سيوصلنا الى المستقبل المشرق.

أما الأسباب الداخلية والمرتبطة موضوعيا ببعض مكونات الأمة، فهي يتبناها فريقان متعارضان أصلا، لكنهما يمثلان مانعا مشتركا يمنع الحل.

الفريق الأول جاهلون بالمشكلة، والثاني متعامون عنها بسبب التعصب الفكري المسبق.

الجاهلون: مؤمنون بمنهج الله، لكنهم اشتروا به ثمنا قليلا، وهو تنفيذ مآرب الحكام بإبعاد الدين عن السياسة، فأوهموا الناس بأنه لا يلزم إلا الإكثار من العبادات والأدعية، واستنساخ هيئة السلف الصالح لباسا ولحية، ليرضى عنا الله فيهلك أعداءنا، ويخرجنا سالمين.

أما المتعامون تعصبا وانغلاقا عن تقبل الإسلام، فهم لا يقبلون أي حل فيه استعادة له، لدرجة أنهم يفضلون البقاء على ما نحن فيه من ذل وانكسار وخراب ديار، على النهضة والتقدم إن كانا يرتكزان على إقامة منهج الله، وتجربة الثورات العربية عام 2011 خير دليل.

لذلك أكثر ما يريحهم بقاء الأنظمة الحاكمة الراهنة، رغم إقرارهم بفسادها واستبدادها وتبعيتها للعدو، كونها أثبتت شراسة في ممانعة للإسلام، وأكثر ما يقلقهم ضياع جهودها في هذا المجال، وجهود الغرب الراعي لها، وأعوانهم ومؤيديهم من علمانيي العربان، وانهيار سدودهم أمام طوفان النهضة المأمولة القادمة لا محالة.

شارك على
Comments (0)
Add Comment