المغتربون والنازح المغبون
بقلم: جعفر عباس
أحس بالحرج الشديد وأنا اخوض في موضوع شديد الخصوصية، وهو انني تلقيت بضع رسائل، يطلب من بعثوا بها العون المادي بسبب ظروف الحرب القاهرة، وأقدم لهم الاعتذار، وأقول إنني لم استجب لطلباتهم لسببين: لأنني لا أعرفهم ولا أعرف ما إذا كانوا صادقين ام كاذبين، وقد تعرضت وغيري للدغ واللسع من هذا الجحر أكثر من مرة (أي اتضح ان بعض من ساندناهم ماديا من دون سابق معرفة لم يكونوا يستحقون السند)ـ ولأنني مثل ملايين المغتربين صرت وبسبب الحرب ملزما بتوسيع قاعدة من أقدم لهم العون، و”الأقربون أولى بالمعروف”. فالمغترب الذي كان يعول أربعة اشخاص قبل الحرب، قد يجد نفسه اليوم يعين عشرين شخصا عن طيب خاطر، فقد اتسعت دائرة الاحتياج وصار بعض من ظلوا طوال أعمارهم يعيشون ميسورين ومستورين وأيديهم ممتدة بالخير الى الغير، في أشد الحاجة الى عون، وعن تجربة خلال محنتي الكورونا وفيضان عام 2020 صرنا في مجموعتنا في قطر لا نتعامل في مجال العون الإنساني إلا مع منظمات ذات سمعة حسنة للغاية تخدم مجموعات كبيرة، وتتولى في ظروف الحرب الحالية إطعام وكسوة النازحين المشردين من ديارهم الأصلية.
في آخر تحويل مالي قمت به قبل الحرب كان الدولار يساوي 440 جنيها أي كانت العشرين دولار تتحول للمستلم الى 8800جنيه، أما اليوم فإن الدولار يساوي 1170 جنيها، أي ان 20$= 23400 جنيه، ولكن ليس لها القوة الشرائية ل8800 جنيه قبل عشرة شهور، لأن أسعار السلع في صعود صاروخي، هذا فوق أن بعض المغتربين صار ملزما بإرسال تحويلات مالية بغير الجنيه السوداني لمن تبعثروا خارج الوطن، وعند تجهيز سلة رمضان العام الماضي كان سعر شوال التمر 20,000، أما اليوم فسعره ما بين 70 و75 ألف، وشوال الحمص طار من 45 الف الى 200 الف وشوال العدسية من 35 الف الى 180 الف على تفاوت في الأسعار من منطقة الى أخرى.
حل في قطر آلاف من بني وطني، وبعضهم يقيم مع أقارب كانوا أنفسهم يعيشون سلفا على “الحركرك” أي الكفاف، وصار من المشاهد المألوفة رؤية سودانيين ينامون في مواقف السيارات والحدائق العامة والمساجد، بل والمحزن ان بعضهم اضطر الى التسول، ولهذا يتكاتف نفر منا لتقديم العون الضروري لهذه الشريحة التي تؤوي نازحين، وهي تعيش في ظروف شدة وعوز
التحية والتقدير لكل مغترب شمر ساعد الجد ساعة الجد، وصار سندا لضحايا الحرب من الأحياء، وشكرا للشاعر الذي لا أعرف اسمه الذي قال: يا مغترب* *يا بسمة في زمن الحرب* *يا سترة البيت الكبير والحلة يا عدل الدرب* *يا نفحة من عطر الوطن* *بين المواجع تنسرب* *يا مغترب .. يا زول اصيل* *قدر المطر شكرا جزيل* *قدر البيوت الفاتحة والنسم العليل* *قدر العيون الصاحية بالهم التقيل* *قدر الصباحات والمغارب والنهارات والمقيل* *شكرا جزيل تعب السنين وشقا الكفاح* اهديتو للسودان صباح* *ورسمت في كل البيوت لوحات ملونة بالسماح* *كنت الامل .. ساعة نزف جرح الوطن ..كنت البراح* *كنت الضرا وعرش البيوت واللقمة والنغم المباح* *شكرا جميل يا زول نبيل* *يازول ملانا معانى صاح* *ان شاء الله ترجع بالهنا* *وتلقى الاهل طيبين نصاح* *تلقى الوطن .. كل الوطن* *فرهد تصافي وانشراح…
دمتم في امان الله وحفظه، والقصيدة مهداة من الشاعر “لكل المغتربين الشايلين هم بلدهم، يا رب احفظ سودانا واحفظ بلدنا من الفتن”.