بالرغم من معدلات النمو المعقولة التي سجلها الاقتصاد السوداني في بعض السنوات إلا أن نمط النمو وغياب العدالة كقضية مركزية في السياسات والبرامج قادا إلى تشوهات كبيرة في بنية الاقتصاد وذلك أن التحول إلى اقتصاد السوق يؤدي لحالة من المحاباة في نمط الإنتاج، حيث ينحاز السوق لمن بيدهم القدرة الشرائية فيحدث توسع هائل في سلع وخدمات الأغنياء و يتباطأ النمو أو ينكمش في سلع الفقراء والشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى ( إسكان شعبي او اقتصادي، تدهور المدارس والمستشفيات العامة، ….) ، ولذا فلا يشعر عامة الشعب بتحسن الأداء الاقتصادي ما دامت ثمراته لا تصل إليهم .
وقد كرست السياسات المتبعة تعميق حالة عدم المساواة وتجاهل القطاعات الانتاجية الحقيقية ويمكن للمراقب ملاحظة بعض هذه المظاهر ومنها:
أولا: تشكل عدم المساواة هاجسا للمجتمعات لما يترتب عليها من توترات واشكالات سياسية واجتماعية وخروج قطاعات واسعة من دائرة الانتاج، يستخدم معامل جيني لقياس عدم المساواة وينحصر بين الصفر الذي يعني غياب التباين ودرجة كاملة من المساواة والواحد الذي يعني درجة كاملة من عدم المساواة، وقد اختبر تقرير التنمية البشرية للعام 2008 درجة التباين في مؤشرات طول العمر والتحصيل التعليمي والدخل، وكانت المفاجأة أن أعلى تباين .0.07 سجله مؤشر التحصيل التعليمي مما يؤكد الدور السالب لضعف الانفاق الحكومي في قطاع التعليم على حاضر ومستقبل الأجيال الصاعدة.
ثانيا: استمرار العقلية الريعية ، وقد تدفع الادارة الاقتصادية بأن الاهتمام بالمواد الخام وخاصة البترول والذهب لما يوفره من قاعدة لتحريك الانشطة الاقتصادية، ولكن تذهب كثير من الدراسات ومنها تقرير التنمية الدولية ٢٠٠٣م الصادر عن البنك الدولي إلى أن الدول النامية التي لديها القليل من الموارد الطبيعية نمت أسرع بمرتين إلى ثلاث مرات بين عامي ١٩٦٠-١٩٩٠م من الدول ذات الوفرة في الموارد الطبيعية. وقد حاولت عدد من الدراسات ومنها (Ross,1999 : Auty,1995) تفسير تعثر أداء الدول المعتمدة على الموارد مقارنة بالدول الأخرى ولخصتها في:
١/ انخفاض الميزان التجاري للسلع الأولية
٢/ عدم استقرار الأسواق الدولية للسلع
٣/ افقار موارد الرزق الريفية
٤/ المرض الهولندي ويقصد به ارتفاع سعر صرف العملة الوطنية بعد زيادة الصادرات المصاحبة للتنقيب عن الموارد، ويوازي هذا الأثر ابتعاد الاستثمارات عن القطاعات غير المرتبطة بالموارد بسبب انتقال العمالة لقطاع المورد خاصة لو كان تعدين.
وتؤكد التجربة السودانية هذه الخلاصات فقد أدى تجاهل القطاعات الإنتاجية وتراكم مشكلاتها لتراجع كبير في نسبة الصادرات غير البترولية إلى جملة الصادرات؛ فمن ٢٥.٥% في ٢٠٠٠م وصلت إلى ٥.٢% في العام ٢٠٠٠٧م. وتفاقمت أزمة الاقتصاد السوداني بعد الانفصال، و ذلك بفقدان حوالي ٤٠% من الإيرادات العامة وحوالي ٩٠% من الصادرات ثم تدهورت الأوضاع بشكل مستمر ، وبدلا من استهداف القطاعات الإنتاجية وتطويرها عبر توفير التمويل بواسطة القروض او التمويل بالعجز، بدلا من ذلك لجأت الحكومة لأسهل وأسوأ الحلول وهو اللجوء لريع آخر وهو الذهب.
ثالثا: تجاهل محاصيل تتمتع فيها البلاد بميزة تنافسية وقدرة على تحريك النشاط الاقتصادي لمجاميع كبيرة من السكان وتوجيه الموارد لمحاصيل أقل قدرة، وهنا يبرز للواجهة الصمغ العربي مقابل السكر.
يعد الصمغ العربي أحد السلع التي يتميز بها السودان ، ومع كثرة البدائل الصناعية الا انه يظل المرغوب وذلك ما دفع الإدارة الأمريكية لاستثنائه من العقوبات الاقتصادية التي فرضتها عام ١٩٩٧م واستمرت لمدة عشرين عاما. وتعد إحدى مميزاته انتشار الحزام في عدد من الولايات ذات الكثافة السكانية العالية، الأمر الذي يجعله مدخلا مناسبا لتنمية المجتمعات المحلية وتطوير قدراتها وتحسين مؤشراتها التنموية.
ومع كل هذه المميزات وغيرها، فإن المراقب يقف حائرا أمام عدم وضعه كأولوية قصوى واستهداف قطاعات أخرى بالرعاية واستقطاب التمويل مع الفارق في جدواها ومميزاتها التنافسية. فمع شح الموارد المالية بالبلاد، هل يعد استهداف قطاع السكر بالرعاية واستقطاب التمويل سواء داخلي او من قروض واستثمارات خارجية، هل يعد هذا الأمر مجدي أم الأوفق استهداف الصمغ العربي؟؟ وهل يتمخض برنامج السكر والقروض الضخمة عن استهداف التصدير أم مجرد الاكتفاء الذاتي؟؟
صحيح أن كلا القطاعين مهم ويمكن أن يشكل دفعا إيجابيا في مسيرة الاقتصاد الوطني، ولكن مع ضآلة المدخرات والموارد المالية يلزم البحث عن القطاع ذي القدرة الأعلى على تحسين المؤشرات التنموية وتحريك القطاعات الأخرى، وفوق هذا وذاك سلعة للبلاد ميزتها التنافسية المعلومة فيها.
يوفر استهداف الصمغ العربي جملة من المكاسب، حيث يعد تطوير وتنمية هذا القطاع مدخلا مناسبا لتوفير فرص العمل وتحسين المداخيل بشكل مباشر لما لا يقل عن خمسة ملايين مزارع وبشكل غير مباشر لسكان حزام الصمغ العربي الذي يقارب ثلث سكان البلاد.
إن برنامجا طموحا ومدروسا لتنمية الحزام يقود لتقليل معدلات الفقر، سيما وأن بعض الولايات في الحزام تقارب نسبة الفقر فيها ٦٠%. وبتوجيه الاستثمارات للبنيات الأساسية وبناء القدرات وفتح الأسواق ستبدأ أحوال الناس في التحول الإيجابي، خاصة إذا ما ركزت الاستراتيجية على تعزيز سلسلة القيمة وربط صغار المنتجين بمنظومة متكاملة من التصنيع والتسويق.
رابعا: يؤدي إصرار الدول النامية ومنها السودان على أولوية النمو وفقا لنموذج توافق واشنطن إلى اختلالات هيكلية عميقة في بنية الاقتصاد الوطني. فهذه الدول تفتقر لقطاع خاص كفوء وقادر على سد ثغرات الدولة عبر برامج الخصخصة، فتلجأ طبقة كبار رجال الدولة والسياسيين إلى إعادة إنتاج النظام القديم من حيث سيطرة القطاع العام بأشكال جديدة ومتعددة. تقود هذه الحالة لزيادة التفاوت واللامساواة في المجتمع عبر العطاءات المقفولة وتخلق تداعيات واسعة من التوترات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمنية. لا يستطيع اقتصاد السوق أن يعيد التوازن ويوزع الثروة بإنصاف لأنه غير مهيأ لذلك، ونتذكر هنا ما قاله روبرت أوين قديما : إذا ترك اقتصاد السوق يتطور وفق قوانينه فإنه سيخلق شرورا هائلة ودائمة؛ فالإنتاج يحصل من تفاعل الإنسان مع الطبيعة، فإذا أوكل تنظيم هذا التفاعل إلى آلية التنظيم الذاتي في المقايضة والتبادل فيجب عندئذ إخضاع الإنسان والطبيعة إلى فلكه وسلطانه في العرض والطلب .
لعلك لاحظت عزيزي القارئ الكريم أن العدالة التي نقصدها هي منظور عابر ومستبطن في كل القطاعات والمجالات Cross-cutting theme فمن منهج التفكير الاقتصادي إلى تحديد الأولويات ومن شكل العلاقات بين مستويات الحكم إلى رعاية حقوق الأجيال القادمة؛ فالعدالة مطلوبة ابتداء وخلال التفكير والتخطيط والتنفيذ. ولكي تتخذ العدالة هذا الموقع الرئيسي يلزم توكيد مبادئ أساسية وحاكمة وهي:
أولا: تعزيز توجه الدولة المدنية؛ الدولة التي تشهد الفصل الكامل بين السلطات و تكون فيها المواطنة أساس الحقوق والواجبات وتقف من الجميع بنفس المسافة دون تمييز عرقي أو ديني أو جهوي، وهذه الدولة المدنية هي المدخل الضروري لقيام الدولة التنموية التي تدار عبر التكنوقراط.
ثانيا: اعتماد المساومة التاريخية كآلية لعلاج التفاوت التنموي الرأسي بين المركز والولايات والمحليات والأفقي بين الولايات المختلفة. وتنبع أهمية المساومة في أنها تضع المواطن في أدني الوحدات مركزا للاهتمام وتجير التشريعات والهياكل لصالحه؛ فهي منهج ينحاز للولاية مقابل المركز وللمحلية مقابل الولاية.
ثالثا: الارتفاع ببناء رأس المال البشري (تعليم وصحة) من مجرد قطاع خدمات إلى قطاع استراتيجي.
رابعا: : اتباع نمط أكثر عدالة في النمو، لقد اجتهدت الحكومات المتعاقبة في تحقيق التنمية، ومع حجم الانجاز على مدى عقود إلا أن ما يميز نمط النمو هو عدم الاستدامة وبعده عن الإنصاف سواء جغرافيا أو قطاعيا. أذكر هنا بما ظلت الأمم المتحدة تطالب به في تقاريرها عن التنمية البشرية وذلك بتجنب خمسة أنواع من النمو وهي:
1/ نمو البطالة: وهو النمو الذي لا يولد فرصا للعمل.
2/ النمو المتوحش: الذي يسهم في تعميق عدم المساواة.
3/ النمو الذي لا صوت له: وهو الذي يحرم المجتمعات المحلية الأكثر تعرضا للمخاطر من المشاركة.
4/ النمو الذي لا جذور له: الذي يرتكز على نماذج منقولة لا جذور لها في الاقتصاد المحلي.
5/ النمو الذي لا مستقبل له: الذي يقوم على الاستغلال المفرط للموارد البيئية دونما اعتبار للمستقبل.
وإذا ما تأملت عزيزي القارئ مشروعات التنمية التي تمت خلال العقود الماضية لن تجدها تخرج من هذه الأنواع إلا قليلا، ولعل ذلك مرده إلى تراجع أولوية الانصاف والعدالة كمرتكز فكري لحساب تحقيق النمو.
هذه بعض الأفكار التي آمل أن يثريها الحوار توخيا للعدالة وحفظا لحقوق الأجيال القادمة وخروجا من الحلقة المفرغة.
صحيفة إيلاف