الشعب السوداني وموقف طارق بن زياد

الشعب السوداني وموقف طارق بن زياد

بقلم: عبدالرحمن الغالي

(1)

قال تعالى: (وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ)

(2)

لا تلوح في الأفق المرئي أية بوادر لوقف الحرب. قرّر العالم متعمداً أن يدعها تذهب لطريقها. سُئل الأمين العام للأمم المتحدة قبل سحب بعثته من السودان لقد فشلت الأمم المتحدة في وقف الحرب فما هو الدور الذي لعبه المجتمع الدولي في هذا الفشل؟ فأجاب بأن مسؤولية الحرب تقع على الجنرالين وهذا بالطبع ليس رداً على السؤال. نعم ان الجنرالين مجرمان ولكن ما هو دور الأمم المتحدة في حماية المدنيين من عبث الجنرالين؟.

لم يكتف الأمين العام بذلك بل لقد تقرر إنهاء بعثة يونيتامس في السودان. صحيح أن إنهاء البعثة جاء بطلب من حكومة السودان، وصحيح أنها فشلت في مساعدة الانتقال الديمقراطي وفشلت في منع الانقلاب العسكري كما فشلت في منع الحرب ثم في وقفها بعد وقوعها. ولكن من غير المنطقي ان تُنشأ بعثة بعد التخلص من الدكتاتورية وفي زمن السلم ثم تُسحب في زمن الحرب. وفي 1/12/2023 عينت الأمم المتحدة مبعوثاً خاصاً للسودان هو السيد رمضان العمامرة لم نحس له من أثر أو نسمع له ركزاً حتى الآن.

أما منبر جدة فقد حصر نفسه في قضايا وقف اطلاق النار والقضايا الإنسانية، وتوصل بعد طول تعثّر لاتفاقية ( وقف اطلاق النار قصير الأمد والترتيبات الإنسانية) في ٢١/٥/٢٠٢٣.

اقترح المنبر آليات مراقبة للاتفاق ولكن لم يكن المنبر قادراً أو راغباً في فرض الاتفاق.

هَدَفُ الاتفاق هو وقف اطلاق النار لتسهيل إيصال المساعدات الإنسانية الطارئة واستعادة الخدمات الأساسية كما ورد في أول بند من أحكامه العامة. ثم جاء في الفقرة الثانية من نفس البند ١/ب الآتي :

( يدرج الطرفان بموجب هذه الاتفاقية إعلان جدة (الالتزام بحماية المدنيين في السودان) كمرجع، ويعيدون تأكيد جميع الالتزامات الواردة فيه، بما في ذلك الالتزام بالإجلاء والامتناع عن الاستحواذ واحترام وحماية كافة المرافق العامة كالمرافق الطبية والمستشفيات ومنشآت المياه والكهرباء والامتناع عن استخدامها للأغراض العسكرية.)

لم يفِ الدعم السريع بهذا التعهد ولم يستطع الوسطاء إلزام أي طرف بشيء. اكتفت أمريكا بعقوبات على أفراد من الطرفين وتعلم أن تلك العقوبات لا تشكل أي ضغط حقيقي لايقاف الحرب ولذلك ذهب الكثيرون إلى أن تلك العقوبات موجهة لإسكات الرأي العام الأمريكي والمشرعين الأمريكيين.

لم يكن غياب آلية ضغط على الطرفين هو المشكلة الوحيدة في المنبر، فهناك خلاف الشريكين بحسب تسريبات كثيرة، من نقاط الخلاف مسألة توسيع المنبر ليضم الإمارات ومصر حسب الرؤية الأمريكية وممانعة السعودية في ذلك. والمؤسف أن تلك الخلافات نسمع بها من خلف الغرف المغلقة ولا يتطوع كل طرف بطرح رؤيته. ولكن الواقع يُصدّق عدم رغبة الولايات المتحدة في التدخل بشواهد كثيرة أهمها:

1) التعجل في رفع المفاوضات وتجميدها عندما تصل لطريق مسدود بدلاً من الصبر عليها وبذل الجهد ومضاعفته، فبعد انسحاب الجيش احتجاجاً على عدم تنفيذ اتفاق جدة لا سيما بند إخلاء الأعيان المدنية فقد تم تجميد المنبر من يونيو ولم يُستأنف إلا في أكتوبر.

2) شاركت أمريكا في المنبر بعد استئنافه في أواخر أكتوبر ٢٠٢٣ لمدة عشرة أيام فقط ثم انسحبت مرة أخرى في أوائل نوفمبر.

3) صوتت أمريكا وكذلك كل عضوية مجلس الأمن لصالح قرار إنهاء البعثة مع امتناع روسيا. لم تنفرد روسيا بهذا الموقف الداعي لترك الأمور في السودان دون تدخل إذ ذكر معظم مندوبي الدول أنهم كانوا يودون استمرار البعثة ولكنهم يؤيدون إنهاءها، بعضهم يتعلل بسلامة أعضائها وهي حجة داحضة إذ يمكن إدارة البعثة من المدن الآمنة أو حتى من خارج السودان كما حدث في البعثة الليبية حيث كان المبعوث ( يان كوبيش) يمارس عمله من جنيف. وبعضهم يتعلل بطلب الحكومة التي كانوا قبل أشهر قليلة يرفضون طلبها بتغيير رئيس البعثة. هذا الانسحاب دون محاولة الحوار لاثناء الحكومة السودانية يستبطن رغبة في ترك الامر للوكلاء الاقليميين.

4) ومع علم الولايات المتحدة بالاطراف الإقليمية الداعمة لأحد أطراف الصراع ومع تزايد الضغوط عليها من الإعلام ومن أعضاء في الكونغرس ذهبت كامالا هاريس نائبة الرئيس للحديث مع أبي ظبي بشأن وقف الحرب ولكن لم يخرج أي تصريح رسمي بأنهم طلبوا من أبي ظبي وقف دعمها للدعم السريع.

5) ومما يدل على تدني أولوية ايقاف الحرب لدى الإدارة الأمريكية أن ملف السودان والحرب فيه ما زال تحت مكتب الشؤون الافريقية بوزارة الخارجية وهو مكتب فرعي في الوزارة ومنزوع الصلة بالدول الإقليمية المؤثرة في الحرب (الإمارات والسعودية ومصر) وجميعها تقع تحت إدارة مكتب الشرق الأدنى بالخارجية.

6) لم يُرفّع بايدن ملف السودان ليصير ملفاً رئاسياً بتعيين مبعوث رئاسي للسودان.

أما بالنسبة للدول الإقليمية واصلت مصر انسحابها من الشأن السوداني وتخلت عن مبادرتها لدول الجوار بعد أن تم تحييدها، وواصلت السعودية صمتها وتجمّد منبر جدة،

وصمتت الايقاد عن لقاء الجنرالين، فبعد أن صرحت بأنها اتفقت مع الجنرالين على اللقاء المباشر، أطلقت تصريحاً غامضاً بأن اللقاء تم تأجيله لأسباب فنية وسيعقد في يناير بينما أرسلت رسالة لوزارة الخارجية السودانية بأن حميدتي قد اعتذر عن اللقاء لأسباب فنية لم يتمكن بسببها من الحضور. والآن ترسل دعوة عامة للقمة لكن دون الاشارة إلى اللقاء المزمع بصورة واضحة. كان اللقاء المزمع بينهما مع رئيس المنظمة الجيبوتي والان الدعوة لنقاش قضية السودان ضمن أعمال القمة وبحضور الرؤساء فيما فُهم من الدعوة. وهذا مثل الغموض الذي صنعه البرهان بالعودة للايقاد وترك منبر جدة رغم موقف الايقاد السابق وفشلها. وهناك عيب آخر يضاف لعيوب الايقاد الهيكلية وعيوب ضعف التحضير وقلة أدوات الضغط وتهمة الانحياز وهو الانقسام الناجم عن حصول اثيوبيا على ميناء بأرض الصومال دون الاتفاق مع الصومال مما زاد الانقسام وخلق محوراً جديداً يضم اريتريا والصومال والسودان ومصر وربما جيبوتي .

وواصلت الإمارات في دعمها العلني للدعم السريع : العسكري والمالي والاعلامي والدبلوماسي وأخيراً اللوجستي والسياسي بتخصيص الإقامة والطيران لجولة حميدتي الأخيرة . ولا تخفى العلاقة الاماراتية بكثير من دول الايقاد.

الخلاصة أن العالم تواطأ على ترك الحرب لتأخذ مجراها مع ما فيها من استهداف للمدنيين وتهجير جماعي وتدمير للبنية التحتية.

تزامن مع هذا الانسحاب العالمي صمت ٌداخلي مريب من حكومة الأمر الواقع في بورتسودان. فلأول مرة في العالم تخوض حكومة حرباً ولا يخرج وزير إعلامها ولا مرة للحديث للمواطنين أو للعالم، ولأول مرة في العالم لا يخرج وزير الدفاع في حكومة تخوض حرباً ليتحدث ولا رئيس هيئة أركان الجيش. ولأول مرة يتم استخدام أسلوب مخاطبة الشعب عبر مخاطبة القائد العام ونوابه للعسكريين في حامياتهم دون توجيه خطاب مباشر للشعب يشرحون له الموقف السياسي والعسكري.

كل هذا جعل المواطن يوقن أن هناك أشياء غير مفهومة تحدث في السودان وأن هناك مشروع يراد للسودان لم تتضح معالمه. فأصبح المواطن يتساءل حول طبيعة الحرب نفسها:

– هل هي صراع داخلي على السلطة بين الجنرالين؟ أو بين القوى السياسية. هل هي حرب موارد استعمارية تسعى للسيطرة على الذهب والأرض والموانيء؟ هل هي حرب استيطانية تسعى لتغيير الديموغرافيا في السودان أو هي حرب توطين مجموعات تسبب صداعاً لدول لحزام الافريقي ودول الساحل؟ هل هي حرب لتدمير الدولة السودانية بنظرية الخطر المحتمل لإسرائيل من نهوض الدول العربية ذات الموارد الكبيرة مثل العراق وليبيا والسودان؟

هذه الهواجس وعدم تشخيص الحرب والتواطؤ على استمرارها وعدم رغبة الجميع في ابتدار حلول توافقية أصابت المواطن بحيرة تمنع التفكير السليم.

(3)

تَرْكُ العالم السودان لمصيره، وغموض الحكومة وعدم قدرة / رغبة الجيش في حماية المدنيين وملازمته للدفاع عن حامياته، واستمرار الانتهاكات من قِبل الدعم السريع أو عدم القدرة على منعها (حتى لو سلّمنا جدلاً بأن من يقوم بها هم المغامرون الساعون للنهب أو المتفلتون وكل هذه الاحتمالات لا تعفيه من المسؤولية الكاملة عنها)، كل هذه الأشياء تزيد من تعقيد المشهد وتضييق خيارات المواطن العادي. فهل هناك من ضمان إذا ترك المواطن قريته أو منطقته أن يعود إليها؟ المشهد الشاخص أمام المواطن البسيط هو:

o ليس هناك جهد دولي أو إقليمي مُجدي أو جاد للوصول لحل للأزمة بغض النظر عن أسباب ذلك.

o ليس هناك رغبة من الأطراف السودانية في الحوار، فقد تم رفض المبادرات التي تفتح الطريق للمصالحة الوطنية وقبول الآخر وطي صفحة الماضي على غرار التجارب الناجحة ( جنوب أفريقيا – رواندا الخ). هناك تمترس كامل من كل الأطراف ورغبة في الانتصار والانتقام بأي ثمن وبأية وسيلة محلية أو أجنبية.

هل هناك من ذرة شك بأن نظام الفصل العنصري البغيض في جنوب افريقيا كان قد اغتصب أرض الوطنيين الأفارقة وأعمل فيهم القتل والتنكيل وجرّدهم من انسانيتهم ووضعهم في درجة أقل من الكلاب؟ وهل هناك من شك في المرارات التي حدثت بين التوتسي والهوتو والقتل على الهوية؟

كل هذه الحقائق والانتهاكات لم تمنع تلك الدول من شراء المستقبل بدلاً من الغرق في أحقاد الماضي. (ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور). هل كانت جنوب افريقيا لتكون ضمن دول البركس الخمس لو لم يتصرف مانديلا بتلك الحكمة. أشك في ذلك.

أمام انسداد الأفق الحالي لم يعد للمواطن خيارات كثيرة، فليس أمامه سوى النزوح لمناطق لم تصلها الحرب ولكن لا يضمن ألّا تصلها، أو اللجوء خارج السودان لمن استطاع إليه سبيلاً أو البقاء في مكانه وانتظار مصيره الغامض إذا لم يكن باستطاعته النزوح أو اللجوء أو حمل السلاح للدفاع عن نفسه قدر استطاعته وكلها خيارات مُرّة.

(4)

وظيفة السياسي أن يفترع الحلول لا أن يردد مواقف يريد بها إثبات طهرانيته حتى ولو كان ثمنها حياة الآخرين أو كرامتهم أو ممتلكاتهم. وظيفة السياسي أن يعيد ترتيب أولوياته وفق أولويات الوطن والمواطن. وأن يتسامى على مراراته الشخصية وبالضرورة عن مصالحه الشخصية. أمن المواطن في نفسه وماله وعرضه مقدم على كل أولوية. وفي الشريعة الإسلامية حفظ النفس مقدم على حفط الدين والعقل والنسل والمال وتأمين المواطن وأمنه يستحق دفع أي ثمن وهذه بديهيات لا يجحدها (إلا مغيّر وللا عقوق وللا كفيف الانسانية) حسب تعبير حمّيد رحمه الله.

وبالنسبة للوطن: منع انزلاق البلاد إلى حرب أهلية والوحدة الوطنية والسيادة الوطنية مقدمة على ما عداها من أهداف سياسية.

يمضي الوطن الآن بسرعة نحو الهاوية : هاوية حرب الجميع ضد الجميع وانفراط عقد الجيشين المتحاربين كما حدث في عد الفرسان بالنسبة للدعم السريع حيث تقاتل الأفراد على أسس قبلية بين السلامات والبني هلبة وفي الدلنج بالنسبة للجيش حيث انضم نوبة الحركة الشعبية لنوبة الجيش في قتالهم للدعم السريع بينما فر بعض أفراد الجيش من العرب. ففي الحالين ظهرت بوادر انفراط للضبط والربط وتقديم الولاء القبلي على الولاء للمؤسسة العسكرية سواءً أكانت الدعم السريع أو الحركة الشعبية شمال أو الجيش السوداني وهذه بوادر وإن كانت محدودة ومرتبطة بعوامل محلية ولكنها تدق ناقوس الخطر لكل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

(5)

موقف طارق بن زياد وجنوده

لقد وضع الوضع الراهن الموصوف أعلاه، وضع المواطن أمام مصير طارق بن زياد وجنوده: البحر خلفي والعدو أمامي.

سيحمل المواطن السلاح لأن وضع السلاح ليس بالأماني ولكن بتحقيق الظروف الموضوعية وأولها أمان المواطن. فطالما استمرت الانتهاكات وعجز الجيش عن الحماية وعجز العالم عن ايقاف الحرب وعجزت القوى السياسية مجتمعة من أقصى يمينها لأقصى يسارها عن الجلوس مع بعضها لوقف الحرب فسيحمل المواطن السلاح. فالمواطن لا يملك رفاهية الجدل السياسي وتضارب الأفكار ولكن يهمه أمنه.

(6)

مخاطر التسلح الشعبي ومنافعه.

مخاطر حمل السلاح حتى في ظروف السلم معروفة، فأحد تعريفات الدولة هو أنها الجهة المحتكرة للسلاح. فالسلاح سيكون في يد العاقل والجاهل وفي يد أصحاب الغبائن الشخصية. وكما هو معلوم فإن مجرد حمل السلاح يغيّر سلوك حامله فيلجأ لحل كل خلاف بالسلاح. هذا فضلاً عن التعبئة الاثنية والجهوية التي يغذيها الجهلاء في كل منطقة والتسلح المضاد.

ولكن كل هذه المخاطر الموضوعية تصير ترفاً فكرياً إذا رأيت الغول زاحفاً نحوك ورأيت فعله في جارك.

هل يمكن منع حمل السلاح. الإجابة كانت نعم ولكن طالما رفض الجميع الحلول التوافقية والتفاوضية تحت أية حجة وفشلوا في ايقاف الحرب فإن حمل السلاح لا مهرب منه.

هل هناك من فوائد لتسلح الشعب؟

نعم مثلما له مضار ومخاطر فله فوائد:

* حماية النفس أو زيادة الكلفة لمن يحاول انتهاك حقوق المدنيين ونهبهم.

* إعادة توازن القوى المفقود: فمن المعلوم أن المنتصر لا يجنح للسلم إلا إذا قبل الطرف الآخر الاستسلام أو الإذعان، كما يرفض الطرف الأضعف التفاوض حتى يحسّن موقفه التفاوضي. تغيّر موازين القوة بالتسلح الشعبي سيحسّن فرص الوصول للسلام.

* حمل السلاح أيضاً يجرّد الجهات التي تحمل السلاح من ميزة التفوق سواء أكانت جيوش أو حركات مسلحة أو كتائب حزبية مما يمنع الاختلالات التي تغري حملة السلاح بالابتزاز وتحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية على حساب الشعب.

هذه منافع وفوائد محتملة ولكنها بالتأكيد لا ترقى لتفضيل هذا الخيار الذي لن يمضي إليه الشعب إلا مضطراً تحت وطأة الظروف المذكورة.

في عام ٢٠٠١ عقد مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في أمريكا CSIS حلقة نقاش عن حرب السودان وخلص إلى أن استخراج البترول بواسطة حكومة السودان سيغير من توازن القوى بين الجيش السوداني وجبش الحركة الشعبية لتحرير السودان ولذلك فإن هذا أنسب وقت – حسب التقرير – لوقف الحرب لا سيما وأنها تجري على أرض الجنوب وتدمّر بناه الاقتصادية والاجتماعية.

(7)

هل هناك فرصة للسلام؟

نعم إذا تعقّلت القوى السياسية وارتفعت لمستوى التحدي الوجودي أو نظرت بعين الرأفة لشعبها الضائع وسارت في طريق المصالحة الوطنية الشاملة وهو الخيار الأفضل. ولكنه احتمال ضعيف لغلبة عقلية الناشطين على عقلية رجال ونساء الدولة. ويمكن أن يتحقق السلام إذا استطاع الشعب السوداني أن يحدد مصيره بيده عبر السلاح وهذا الاحتمال (مع ضعفه) فهو وارد ولكنه عالي الكلفة محفوف بالمخاطر والعواقب طويلة الأثر. وأفضل منه أن يعمل توازن القوى بواسطة التسليح الشعبي على خلق بيئة مساعدة على التفاوض كما ذكرنا. ويمكن أن يتحقق السلام أيضاً إذا نشأت ضرورات تهدئة الوضع في السودان لأية أسباب دولية أو إقليمية حيث سينعكس ذلك على الأطراف الداخلية، فالعامل والنفوذ الاقليمي والدولي في السياسة الداخلية وعلى اللاعبين المحليين ضخم للغاية للأسف. قال أليكس دي وال في تعليق محزن حتى ولو لم نتفق مع صحته، قال عن منبر جدة: ( المفاوضات الحقيقية هناك هي بين الرياض وأبي ظبي، وإذا اتفقت العاصمتان على صيغة فستباركها أمريكا والاتحاد الإفريقي وستُعرض على السودانيين كأمر واقع.)

في عام 1999 زرت القاهرة ونظّم لنا مكتب هيئة شؤون الأنصار سلسلة لقاءات مع مفكرين عرب وإسلاميين. قابلنا المفكر الفلسطيني أحمد صدقي الدجاني وسألته : ( برأيك ما الذي حمل الملك حسين على تغيير وصيته في آخر لحظة وتخليف إبنه عبد الله ملكاً بدلاً عن أخيه الأمير الحسن بعد أن كان ولياً للعهد لمدة 34 عاماً؟ أجابني أن هناك حلقات مهمة في صناعة القرار الأردني هي الحلقة الدولية والاقليمية والداخلية وأهمها الحلقة الدولية. والله المستعان.

هذا كد العقل البشري في تصوير المشهد ولكن القلب ما زال معلقاً بالرجاء في رحمة الله وفرجه الكائن بين الكاف والنون. اللهم إن ظني بالسودانيين أنهم أخيار وفيهم أولياء لك أنت أعلم بهم وإن رحمتك وفضلك وكرمك ورأفتك شملت المطيع والعاصي والمحسن والمسيء والشاكر والجاحد، أللهم إن عافيتك هي أوسع لهم فانزلها علينا وعلى بلادنا وردّنا إليك رداً جميلاً وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين المطهرين.

شارك على
Comments (0)
Add Comment