التعصب .. بقلم : د. هاشم غرايبه
التعصب من أخطر الآفات التي تصيب الجماعات الإنسانية، إذ أنها تتناقض مع طبيعة الإنسان الذي هو مدني بطبعه، فينحو للتعاون مع غيره من البشر.
وهذه هي الفطرة التي خلق الله البشر عليها، فقد جعلهم شعوبا وقبائل ليتعارفوا ويتعاونوا ويتبادلوا المعارف والخبرات، ولو شاء لجعلهم أمة واحدة متماثلة الطباع والصفات، لكن التعددية في العرق واللون والجنس والفكر تخلق آفاقا جديدة ومعارف أوسع بالتلاقح الفكري والإكتساب المتبادل ثقافيا وحضاريا.
لقد حفل التاريخ بموجات من التعصب القومي ضد الآخر تمثلت بحروب دافعها الأطماع لكن وقودها الاستعلاء القومي، مثل النازية والفاشية والحركات القومية الأوروبية والآسيوية، وكان لها جميعا تأثير مدمر على الإنسانية وتقدمها، فيما أدى تعصب الأوروبيين للعرق الأبيض إلى استرقاق السود واستعباد مئات الملايين منهم.
أما التعصب الديني فلم يكن أقل ضررا على الحضارة الإنسانية، وبسبب طبيعته في الإنتشار السريع وسهولة استغلاله من قبل ذوي الأطماع الاستعمارية، والحالمين بالأمجاد الإمبراطورية، فقد أدت القلاقل والفتن والحروب التي استثمرت فيها الى إعاقة التقدم الحضاري والرخاء الإجتماعي، ومن الأمثلة عليها الحروب الصليبية، والنزاعات الكاثوليكية – البروتستانتية.
مما يزيد من تعقيدات مكافحة هذه الآفة، أن بإمكانها التجزؤ الى حلقات أصغر فأصغر، فقد تتولد بين الجماعات كأتباع المذاهب الدينية، أو الأصغر كالأحزاب السياسية المتصارعة، وحتى المنتديات الفكرية المتباينة.
السبب الرئيس في كل ذلك يعود الى حالة الضيق بالآخر وعدم القدرة على التعامل معه أو عدم القبول بالرأي المخالف.
يمكن محاربة هذه الآفة فقط إذا تم الإعتراف بوجودها أولا، والرغبة المشتركة في القضاء عليها ثانيا، أما ثالثا فهو تفهم الأطراف أن المخاطر التي يتعرض لها النسيج الإجتماعي أعظم كثيرا من مكاسبهم الآنية.
التعصب هو الأب الروحي للتطرف، والتطرف يولد العنف، والعنف يولد العنف المضاد، وهنا تكمن الدائرة الجهنمية، وبغير كسر حلقاتها المتصلة لا يمكن القضاء على المشكلة.
بالمقابل لا يمكن النجاح في ذلك بافتراض تعصب الآخر فقط، أو فرض فكرة أن التعصب سمة أساسية لاصقة بالآخر بسبب من معتقده الديني أو الفكري المخالف.
من ذلك نستدل على عقم المؤتمرات والندوات التي تعقد كل يوم على مساحة الوطن العربي في إطار ما يسمونه الحرب على الإرهاب، لأن اقتصار توجيه جهود مكافحة التطرف على المسلمين فقط، تعني أنهم هم المتطرفون دون سواهم.
الإصرار على الفكرة المتعصبة ضد الإسلام، والتي تقول أنه دين العنف والقتل، يُبقي كل النقاشات ضمن حوار الطرشان، ولا تنفع كل الترقيعات من قبل الأنظمة للموائمة بين الفكرتين، بالقول أن هنالك إسلامان: واحد معتدل وآخر إرهابي.
الإسلام هو الأيديولوجية الوحيدة المبنية على وحدانية الإله، مصدر الحكمة والعدالة المطلقة، لذلك لا يمكن تجزيئه، ومن كان يحب أن ينعته بأنه دين السيف والقتل، فهو متعصب ضده ولا سبيل لإقناعه، ومن كان يؤمن أنه من عند الله فهو يراه إنسانيا عادلا، ولا يمكن (تفصيله) على مقاس أحد، سواء كان ذلك حزبا أو نظام حكم أو قوة عالمية كبرى، وذلك لأن جميع أحكامه محفوظة بين دفتي كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
لكن كل ذلك لم ينل من حماسة المتعصبين ضده، أو من جهودهم لتعديله بقصد إضعافه، أوعلى الأقل بإبعاده من المناهج الدراسية بحجة إزالة المواضيع التي تحث على الكراهية، لأنهم لا يؤمنون بأنه كلام الله عز وجل، وأنه تعهد بحفظه، والدليل قائم، وهو أنه لم يتمكن أحد طوال التاريخ ولا يمكن لأحد تغيير كلمة واحدة من كلماته.
وهنا تكمن بذور التعصب، فالغربيون عموما غير متدينين، غير أن تعصبهم لعقيدة معينة، فإن قليلين منهم يرفضون فكرة انتساب الكتاب المقدس الى الله، رغم أنهم يعلمون يقينا أنه تعرض للتحريف والتعديل البشري، بدليل التضارب بين الطبعات المتداولة.
لكنهم جميعا مثقفين أو جهلاء (إلا قلة قليلة) لا يعترفون بأن القرآن كلام الله، رغم أن الدليل الدامغ هو التطابق التام بين كل النسخ الموجودة، قديما وحديثا.
أليس ذلك عين التعصب؟.
فمن هو الأوْلى بالمعالجة من آفة التعصب المغلق للعقل إذاً؟.