لماذا ثار الشعب ؟!
* يحاول البعض ربط الثورة الشعبية بالغلاء والتضخم الجامح وانعدام السلع الاساسية وشح السيولة ..إلخ، وهو ربط جائر، فالثورة التى استمرت لمدة ثلاثين يومين منذ انطلاقها في ديسمبر الماضى، وإستمرارها حتى اليوم، واتساعها كل يوم رغم توفر بعض السلع مثل رغيف الخبز والبنزين، مع استمرار مشكلة الجازولين والسيولة، لا يمكن ربطها فقط أو إرجاعها للتضخم والغلاء وشح النقود، وإنما لها أسباب جوهرية وأساسية، وعلى رأسها انعدام الحريات والفساد والتدمير الممنهج للدولة السودانية وتحويلها الى مزرعة خاصة بالنظام الحاكم.
* صحيح أن الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة التى اصابت البلاد والناس في مقتل في السنتين الاخيرتين والسياسات الحكومية المتعسفة لمواجتها، والتى تركزت في تجفيف السيولة النقدية في محاولة للسيطرة على التضخم والانهيار في قيمة الجنيه السودانية مقابل العملات الاجنبية، بالاضافة الى رفع أسعار سلعة الخبز والتهديد برفع اسعار الوقود، وعجز الحكومة عن توفيرهما كانت بمثابة الشرارة التى أشعلت الثورة، أو القشة التى قصمت ظهر بعير الصبر الشعبى، ولكنها ليست السبب الرئيسى في اندلاع الثورة التى نجمت عن مجموعة سياسات حكومية فاشلة وفساد مريع وفقدان الثقة في النظام الاسلاموى الحاكم الذى ظل منذ إستيلائه على الحكم بانقلاب عسكرى في 30 يونيو، 1989 يحكم بالقهر والبطش والقوة، بدون إتاحة الفرصة لغيره لمنافسته على الأٌقل عبر صناديق الانتخابات!!
* وحتى عندما فرض عليه المجتمع الدولى اتفاقية السلام الشاملة في عام 2005 التى اوقفت الحرب الاهلية في جنوب السودان، والذى كان حينذاك جزءا من السودان، وأتاحت للحركة الشعبية لتحرير السودان التى كانت تقود التمرد في الجنوب المشاركة في السلطة، وضع النظام الكثير من العراقيل أمام غيره وعلى رأسهم الحركة الشعبية للمشاركة بشكل فعال في السلطة وظل يحكم وحيدا وينتهج الكثير من السياسات الخاطئة، الامر الذى ادى لانفصال الجنوب في عام 2011 اثر استفتاء شعبى لمواطنى الجنوب، وذلك كنتيجة حتمية لفشل الحكم خلال الفترة الانتقالية التى كانت فيها الحركة الشعبية شريكا في السلطة !!
* قبل ان اواصل السرد التحليلى لاسباب قيام الثورة، والاسباب العديدة التى تقف وراءها، أحيلكم الى مقال كتبته ونشرته بعد مرور اربعة وعشرين عاما على حكم الاسلاميين في السودان، أو ما أُطلق عليه (حكم الإنقاذ)، سردتُ فيه مظاهر الفشل والظواهر السلبية الكثيرة التى تميز بها حكم الانقاذ، مستندا الى أول بيان للانقلاب العسكرى الذى قاده حزب الجبهة الاسلامية على النظام الديمقراطى وتلاه عبر اجهزة الاعلام الحكومية السودانية العميد (وقتذاك) عمر البشير قائد الانقلاب العسكرى، ودافعى من اعادة النشر في المقام الاول هو اعطاء الاجيال الجديدة التى تقود الثورة الحالية فكرة مصغرة عن الحال خلال الخمسة وعشرين سنة الاولى من حكم الاسلاميين وسيطرتهم المطلقة على مقاليد الامور في البلاد.
* اربع وعشرون سنة عجاف مرت على البلاد منذ استيلاء الجبهة الاسلامية القومية تحت اسم ( ثورة الانقاذ الوطنى) على السلطة بانقلاب عسكرى فى 30 يونيو،1989، ولم تجن فيها البلاد خيرا بل تراجعت كثيرا الى الوراء وكادت تتلاشى بسبب السياسات الخاطئة والفساد والاستئثار بالسلطة ونهب الثروة وانعدام التنمية وانتهاك الحريات!!
��* عندما استولت الانقاذ على السلطة قالت فى خطابها الاول الذى تلاه على المواطنين قائدها العميد (وقتذاك) عمر البشير، انها قامت من اجل ” صون الارض والعيش الكريم والاستقرار السياسى”، فماذا حدث؟
�* لقد انفصل الجنوب وذهبت حلايب وضاعت الفشقة بشرق السودان، واشتعلت الحرب الاهلية بدا رفور وكردفان والنيل الازرق وسادت القبلية، وضاعت كل المشاريع الكبرى وانهار الجنيه واستشرى الفساد وخربت السياسة وافتقر المواطن، فأين الانقاذ الذى جاءت من اجله الانقاذ؟!
�* قالت الانقاذ فى بيانها الاول، بان “الحكومات و الأحزاب السياسية فشلت في تجهيز القوات المسلحة في مواجهة التمرد وفشلت أيضا في تحقيق السلام الذي عرًّضته الأحزاب للكيد والكسب الحزبي الرخيص حتى اختلط حابل المخلص بنابل المنافقين والخونة، وكل ذلك يؤثر على قواتكم المسلحة في مواقع القتال وهى تقوم بأشراف المعارك ضد المتمردين، ولا تجد من الحكومة عونا على الحرب أو السلام ولقد لعبت الحكومة بشعارات التعبئة العامة دون جهد أو فعالية”.
�* والسؤال هل نجحت الانقاذ فى تجهيز القوات المسلحة التى عانت ما عانت فى عهد الانقاذ من تشريد وتصفيات وانشغال بحروب اهلية فى جبهات كثيرة داخل الوطن، بعد ان كانت الحرب تدور فى جبهة واحدة فقط، ثم هل هزمت حكومة الانقاذ التمرد، ام ظهرت حركات تمرد جديدة انتشرت فى كل بقاع الوطن الذى ذهب جزء عزيز منه من اجل السلام، وهل تحقق السلام المنشود الذى من اجله فقدنا ذلك الجزء العزيز؟!
�* جاء فى بيان الانقاذ : ” لقد تدهور الوضع الاقتصادي بصورة مزرية، وفشلت كل السياسات الرعناء في إيقاف التدهور، ناهيك عن تحقيق أي قدر من التنمية مما زاد حدة التضخم وارتفعت الأسعار بصورة لم يسبق لها مثيل، واستحال علي المواطنين الحصول علي ضرورياتهم، إما لانعدامها أو ارتفاع اسعارها مما جعل الكثير من ابناء الوطن يعيشون علي حافة المجاعة، وقد أدي التدهور الاقتصادي إلي خراب المؤسسات العامة وانهيار الخدمات الصحية والتعليمية وتعطيل الإنتاج، وبعد أن كنا نطمع فى أن تكون بلادنا سلة غذاء العالم، أصبحنا امة متسولة تستجدي غذاءها وضرورياتها من خارج الحدود، وانشغل المسئولون بجمع المال الحرام حتى عم الفساد كل مرافق الدولة، وكل هذا مع استشراء التهريب والسوق الأسود مما جعل الطبقات الاجتماعية من الطفيليين تزداد ثراء يوم بعد يوم بسبب فساد المسئولين وتهاونهم في ضبط الحياة والنظم”
�* والسؤال الذى يطرح نفسه بقوة: أين كان الاقتصاد السودانى عندما قامت الانقاذ، واين هو اليوم بعد اربع وعشرين عاما من انفرادها بالسلطة؟ ولا اعتقد اننى بحاجة للاجابة على هذا السؤال الذى يعرف اجابته الكل ولكننى فقط اريد الاشارة الى قيمة الجنيه السودانى كمعيار على قوة الاقتصاد، فلقد كان سعر الدولار الامريكى وقتذاك 12 جنيها (قديم) بينما قيمته الان 7000 جنيها (قديم)، وكلنا نذكر ونتندر على ذلك الحديث المضحك لأحد قادة الانقاذ عند قيامها وهو العقيد وقتذاك صلاح الدين كرار عضو المجلس العسكرى للانقاذ وفيلسوفها الاقتصادى، والذى قال مفتخرا باستيلاء الانقاذ على السلطة ومتحدثا عن حسناتها :” لولا قيام الانقاذ لصار سعر الدولار عشرين جنيها” !!
�* كان سعر قطعة الخبز 15 قرشا (قديم) وسعرها الان 250 جنيها (قديم) ، أى ان سعرها تضاعف أكثر من 1500 مرة، ( ملحوظة للمقارنة: سعرها الآن في عام 2019 ، 1000ج)، وكان سعر كيلو اللحم البقرى 3 جنيها (قديم) وسعره الان 40000 جنيها (قديم)، اى ان سعره تضاعف حوالى 15000 مرة (سعره الآن 200000 ج قديم)، بينما لم تتضاعف المرتبات او مستوى المعيشة بنفس القدر، فاين هو الانقاذ الذى جاءت من أجله الانقاذ؟
�* أين المشاريع الكبرى التى وجدتها الانقاذ وماذا فعلت بها؟ اين مشروع الجزيرة والمناقل، اين مشروع الرهد، اين السكة حديد، اين مصانع النسيج وزيوت الطعام، اين الخطوط البحرية السودانية التى كان لها اكثر من 14 ناقلة تجوب المحيطات والبحار، اين الخطوط الجوية السودانية التى كانت تطير حتى فرانكفورت ولندن؟ هل حافظت الانقاذ على هذه المكتسبات ام اضاعتها، واين التنمية وتحقيق الاكتفاء الذاتى من الغذاء وتمزيق فواتير الاستيراد التى ادعت الانقاذ انها قامت من اجلها، واين الشعارات التى خرمت بها الانقاذ طبلة اذننا “نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع”؟ لقد ضاع كل شئ ايها الانقاذ وصرنا نستورد كل شئ بعد ربع قرن انقاذ مزقنا فيها فاتورة الانتاج وليس الاستيراد!!
�* قالت الانقاذ فى بيانها الاول: ” لقد عايشنا في الفترة السابقة ديمقراطية مزيفة ومؤسسات الحكم الرسمية الدستورية فاشلة، وإرادة المواطنين قد تم تزييفها بشعارات براقة مضللة وبشراء الذمم والتهريج السياسي، ومؤسسات الحكم الرسمية لم تكن إلا مسرحا لإخراج قرارات السادة، ومشهدا للصراعات والفوضى، اما رئيس الوزراء فقد أضاع وقت البلاد وبدد طاقاتها في كثرة الكلام والتردد في المواقف حتى فقد مصداقيته”.
�* والسؤال: ماذا فعلت الانقاذ لتغيير ذلك المشهد المؤسف الذى تحدثت عنه من ديمقراطية مزيفة ومؤسسات فاشلة وتزييف ارادة المواطنين وشراء الذمم والصراعات والفوضى؟! لقد صار المشهد اكثر مأساوية الآن، نظام شمولى دكتاتورى فاسد يحتكر فيه السلطة بضعة اشخاص لا يتجاوز عددهم اصابع اليد الواحدة، ومؤسسات دستورية مزيفة لا تجيد سوى التصفيق والتسبيح بحمد الحاكم، وصراعات عنيفة على السلطة منذ اللحظة الاولى لاستيلاء الانقاذ على السلطة ترتب عنها الكثير من الخسائر الباهظة للشعب والوطن، واحاديث مستمرة تعقبها هتافات داوية من المنافقين ثم ينفض السامر وتتبخر الوعود، بالاضافة الى فقدان كامل للسيادة بعد ان صار السودان رهينة لقرارات المنظمات الدولية والاقليمية ومطلوبا فى المحاكم الدولية، فأين انقاذ السياسة والمؤسسات الذى جاءت الانقاذ من أجله؟
�* قالت الانقاذ فى 30 يونيو 1989 وهى تقدم نفسها للشعب: ” لقد امتدت يد الحزبية والفساد السياسي إلي الشرفاء فشردتهم تحت مظلة الصالح العام مما أدي إلي انهيار الخدمة المدنية، ولقد أصبح الولاء الحزبي والمحسوبية والفساد سببا في تقديم الفاشلين في قيادة الخدمة المدنية وافسدوا العمل الإداري وضاعت بين ايديهم هيبة الحكم و سلطان الدولة ومصالح القطاع العام” .
* والسؤال، اين هى الخدمة المدنية الان التى تحولت الى جهاز من اجهزة الحزب الحاكم واداة لخدمة مصالحه ومصالح افراده، بعد ان طال الصالح العام الذى انتقدته الانقاذ فى خطابها الاول كل من لا يدين للانقاذ بالسمع والطاعة، وبلغ عدد المفصولين للصالح العام وإلغاء الوظيفة والاحالة الى التقاعد الاجبارى اكثر من عشرة الاف فى اول عامين من قيام الانقاذ، واكثر من ربع مليون خلال سنوات الانقاذ الخمسة عشر الاولى فقط، وكانت النتيجة انهيار الخدمة العامة منذ الوهلة الاولى وانسحب ذلك على اداء الدولة التى حصلت على ثالث مرتبة فى تصنيف الدول الفاشلة لهذا العام، فاين انقاذ الخدمة العامة الذى جاءت من اجله الانقاذ، واين انقاذ القطاع العام الذى اضاعته الانقاذ وملّكته لمحسوبيها بتراب الفلوس وجنوا منه الارباح الطائلة ؟!
�* اما عن الفساد الذى تحدثت عنه الانقاذ، فما شهدته البلاد من فساد فى عهدها يعرفه القاصى والدانى وما خفى اعظم، ولقد مهدت له الانقاذ منذ استيلائها على السلطة بإلغاء او اضعاف اجهزة الرقابة على اعمال الدولة مثل وزارة الاشغال التى كانت مسؤولة عن كل ما يخص منشئات الدولة، ومصلحة النقل الميكانيكى التى كانت مسؤولة عن كل ما يخص اسطول عربات الدولة، ومصلحة المخازن والمهمات التى كانت مسؤولة عن كل ما يخص مشتريات الدولة من ملابس ومعدات مكتبية إلخ، بالاضافة الى اضعاف جهاز المراجعة العامة وتحويله الى اداة للمراجعة فقط بدون سلطة فى المحاسبة، وهكذا تحولت كل الدولة الى ضيعة خاصة للانقاذ ومحسوبيها، يتصرفون فيها وبها كما يحلو لهم، وكانت النتيجة افلاس كامل للدولة رغم مليارات الدولارات من عوائد البترول والذهب التى تحولت الى ارصدة وبنايات ضخمة فى الداخل والخارج مملوكة لاهل الانقاذ بينما بقية الشعب اما جائع او ضائع او صائع، ولقد اظهرت دراسة حديثة ان اكثر من 54 % من افراد الشعب يرغبون فى استبدال وطنهم السودان باوطان اخرى، وفى هذا قمة اليأس والاحباط وفقدان الامل، فأين الانقاذ الذى تحدثت عنه الانقاذ؟
�* قالت الانقاذ فى مثل هذا اليوم قبل 24 عاما : ” إن إهمال الحكومات المتعاقبة للأقاليم أدي إلي عزلها من العاصمة القومية وعن بعضها في ظل انهيار المواصلات وغياب السياسات القومية وانفراط عقد الأمن، حتى افتقد المواطنون ما يحميهم ولجأوا إلي تكوين المليشيات، كما انعدمت المواد التموينية في الأقاليم إلا في السوق الأسود وبأسعار خرافية” .
�* والسؤال: ” اين الاقاليم واهل الاقاليم وماذا حدث لهم بعد قيام الانقاذ، واين السياسات القومية؟ ألم تلتهب او تفتقر معظم الاقاليم بسبب الحروب الاهلية أو انعدام التنمية وعدم وجود فرص العمل الحقيقية، فتحول نصف اهلها الى نازحين او لاجئين او متمردين، والنصف الآخر الى عاطلين او عاملين فى المهن الهامشية على طرقات وارصفة الخرطوم؟! أما بالنسبة للسلع فصحيح انها متوفرة (كانت متوفرة) ولكن باسعار ارحم منها بكثير اسعار السوق الاسود، ولقد كان فى مقدور كل الحكومات السابقة ان تلجأ الى نفس خيار الانقاذ الاقتصادى لتوفير السلع باسعار خرافية لا تقدر عليها الا الشريحة الثرية كما فعلت الانقاذ، فهل هذا هو الخيار الصحيح، واين هو الانقاذ إلا اذا كانت الانقاذ تقصد انقاذ الاثرياء ودفن المطحونين انقاذا لهم؟!
�* وإذا حاولنا ان نجد بعض حسنات للانقاذ مثل استخراج البترول أو توسيع قاعدة التعليم العالى، او تشييد سد مروى كما يزعم اهل الانقاذ، فأين هى ايرادات البترول الضخمة التى اُهدرت بدون استثمارها فى مشروع تنموى واحد يبقى للمستقبل؟ أما كان من الافضل ان يُترك البترول فى جوف الارض لتستفيد منه بشكل علمى الاجيال القادمه بدلا عن تبديده فى الهواء، وما هى نوعية التعليم الذى تقدمه مؤسسات التعليم العالى للطالب ونوع الخريج الذى ترفد به المجتمع، وما هى محاسن سد مروى مقارنة بمساوئه إذا تناولنا فقط مجالى الآثار البيئية المستقبلية الضارة والتاريخ الاثرى العظيم للمنطقة الذى طمرته مياه الخزان، والذى كان يمكن ان يتحول الى عائد اقتصادى ضخم ومستمر فى المستقبل، كما ان السد، كما نعرف، قد شيد بقروض خارجية ذات فوائد مركبة فما هى قيمة فائدته مقارنة بقيمة تكلفته ؟!
�* ربع قرن من الزمان مر منذ استيلاء الانقاذ على السلطة فى 30 يونيو، 1989، فقدت فيه البلاد كل شئ .. الجغرافيا والتاريخ والسياسة والسيادة والكرامة والاقتصاد وصارت حطام دولة، وتحول مواطنوها الى اشباه اشباح، فاين هو الانقاذ يا اساطين الانقاذ؟
الجريدة