نكزة:
بقلم : الصادق اسماعيل علي
حين يعود المتمردون بين حق الدولة وحق الضحايا
تتسارع الأحداث على الأرض بصورة لافتة، ومعها تتغير مواقف كانت حتى وقت قريب تبدو ثابتة. فالمليشيا المتمردة التي خاضت حرباً ضروساً ضد الدولة والمجتمع، بدأت تتهاوى، لا عبر استسلامٍ فردي معزول، بل في مشهد يتكرر: قيادات تتقدم، وأخرى تلحق بها زرافات ووحداناً، تبحث عن طريقٍ للعودة إلى الخرطوم… وإلى المشهد من جديد.
ما جرى لا يمكن قراءته باعتباره مجرد تحول عسكري، بل هو اختبار حقيقي لقدرة الدولة والمجتمع على إدارة لحظة ما بعد الصراع.
فما اقترفته هذه المليشيا في حق أهل السودان—في دمائهم، وأموالهم، وأعراضهم، ومقدراتهم العامة والخاصة—يجعل من الصعب، بل من المستحيل، تجاوز ذلك وكأن شيئاً لم يكن. ولا يمكن قبول إعادة تموضع هذه المليشيا وحواضنها في ذات المكانة التي كانوا عليها قبل اندلاع الحرب.
لقد عاشت هذه الحواضن، ومعها مقاتلوها، لسنوات طويلة في ظل ميزات تفضيلية سياسية واجتماعية وأمنية واقتصادية، على حساب عموم أهل السودان، بل وحتى على حساب أهل دارفور أنفسهم. وهو ما ولّد شعوراً بالفوقية، وممارسات اتسمت بالعنصرية، وتجاوزت الأعراف التي تحفظ تماسك النسيج الاجتماعي.
وتعقّد المشهد أكثر حين استُخدمت سلطة الدولة ومواردها—مالاً وسلاحاً—لخدمة مشاريع خاصة، الأمر الذي راكم مشاعر الغضب والكراهية، ليس فقط تجاه هذه المليشيا، بل تجاه الدولة ذاتها.
اليوم، ومع عودة بعض القيادات والوفود المتقدمة، يتساءل الناس بقلق مشروع:
هل نحن أمام نهاية حقيقية لهذا المسار، أم مجرد عودة إلى “حليمة القديمة” في ثوبٍ جديد؟
قد يكون للقوات المسلحة منطقها في التعاطي مع هذه التطورات من زاوية الميدان والحسم العسكري، لكن ما يريده الناس—وبحق—هو رؤية سياسية واضحة، تضمن تجاوز الماضي بكل مآسيه، وتمنع تكراره، وتؤسس لمرحلة جديدة من الأمن والاستقرار.
وهنا تبرز الحاجة إلى مقاربة متكاملة، لا تكتفي بقبول الاستسلام، بل تحسن إدارة نتائجه.
وفي هذا السياق، يفتح القرآن باباً مهماً في فهم التوازن بين الردع والرحمة، كما في قوله تعالى:
﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
(سورة المائدة، الآية 34)
فالآية تقرر مبدأ قبول التوبة قبل القدرة، لكنها لا تسقط حقوق العباد، التي تبقى قائمة لا تُمحى إلا بالقصاص أو العفو من أصحابها.
وعليه، فإن أي معالجة مسؤولة لهذا الملف ينبغي أن تقوم على عدة مرتكزات:
أولاً: تمكين كل صاحب حق من المطالبة بحقه دون عوائق، وضمان الوصول إلى العدالة، والاقتصاص من كل من ثبتت عليه جريمة.
ثانياً: ترسيخ سيادة دولة القانون، وتحقيق المساواة الكاملة بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات، دون تمييز أو استثناء.
ثالثاً: إنهاء ظاهرة المؤسسات الموازية، وعلى رأسها المليشيات، وحصر العمل العسكري والأمني في مؤسسات الدولة النظامية.
رابعاً: التزام الدولة بتوفير الخدمات الأساسية، والعمل على تحقيق تنمية متوازنة وعادلة بين مختلف الأقاليم.
خامساً: تثبيت مبدأ التداول السلمي للسلطة، وبناء نظام سياسي يحقق تمثيلاً عادلاً لمكونات المجتمع المختلفة.
إن ما نشهده اليوم ليس نهاية حربٍ فحسب، بل بداية اختبار جديد: كيف نبني دولة لا تتكرر فيها المأساة؟
فالسلام الحقيقي لا يصنعه استسلام السلاح وحده، بل تصنعه العدالة حين تُنصف الضحايا، والحكمة حين تفتح باب العودة… دون أن تفرّط في الحق.
دمتم سالمين .. تامين .. لامين