حينَ يصيرُ الموتُ بقاء.. معز عمر بخيت

حينَ يصيرُ الموتُ بقاء

إلى روحِ والِدَتي الغاليةِ عليها رحمةُ اللهِ
(ذكرى متجددة في عيد الأم وفي كل لحظة)

معز عمر بخيت
________________

أنا لا أبكيكِ اللحظةَ يا أماّه
فالله اختاركِ بين ضلوعي
أن تأتيه على يُمناهْ..
واختارَ دُموعي فيكِ مُحيطًا
يروي الكوثرَ عذبَ مِياه
لو أختزلُ بحارَ العالمِ فيكِ دموعًا
ستجفُّ بحارُ العالمِ قبلَ دموعي
في لحظةِ آهْ..
وتخِرُّ جباهْ
فكلُّ الأرضِ عليها وجَعي
يتسوله الزمنُ العابر
من هاجسهِ إلى ويلاهْ
وكلُّ طريقٍ سوفَ أهيمُ الآنَ عليهِ
ستطوفُ شعائرُ وجدي حولَ رُباهْ
وسوفَ يهاجرُ منه الطيرُ
ويرحلُ عنه بريقُ صباهْ
إني أحببتُكِ يا أمّاه
إني أحببتُكِ حبًا فاقَ حدودَ السرمدِ
بعدَكِ تاه..
إني آمنتُ بهذا الحبِّ السامقِ عرشًا
في جناتِ الخلدِ مداهْ
بهُداكِ مشيتُ طويلًا بين حنيني
وشتلتُ الوردَ سكبتُ ندَاهْ
فيضًا من مطرِ الحُسنى في أعمَاقِي
وتبِعتُ خُطاهْ
مزَقَني شوقُكِ هدّ حُصُوني
نبضُ هواهْ
فبكيتُ وحِيدًا
واستغفرتُ لجُرحي زمنًا
واستهويتُ الصمتَ نشيدًا
وحمدتُ الله..
***
مَنْ بَعدَكِ يرسمُ للأطفالِ
دوائرَ نورٍ في الجُدرانِ زهاءْ..
مَنْ بعدَكِ يسقي البحرَ
نضارَ الفرحةِ قطرةَ ماءْ
من غيرُكِ في إحساسِ الظلمِ
يسوقُ الضحكةَ للتُعساء؟
من غيركِ يحملَ همَّ صغارِ السوسنِ
في (الخرطومِ) الأمل رجاء
من يهبُ الضوءَ لـ (سان أنطونيو)
ويحولُ وجهَ الأرضِ سماء
وبـ (بر دبي) الثكَلَى يبْني
تلَ الحلمِ بهاء
ما بينَ (سوانزي)
بين حدائقِ (كارديف)
يأتلِقُ الليلُ ضياء
وفي (البحرين) سيبقى حُزني
موجًا للمدِّ الراحلِ في الشريانِ دماء
وهُنا قي الدارِ سيبقى أبَتي
للصبرِ مدادًا للهمِ عَزاء
وسنبقى أبدًا
بعدَ رحيلِ (زكيةَ) خيرَ الدنيا
عشقًا ينبضُ كيفَ يشَاء
برحيلكِ أمّي جفّ سحابي
وانشطرَ القمرُ بذاتِ مساء
والشمسُ امتصتْ لونَ نهاري
وانفجرَ الكونُ عليكِ بُكاء
وبفقدكِ أمي كلُّ الأنجمِ عني غابتْ
والفجرُ توارَى في الظَّلمَاء
يا ليتَ الروحَ تعودُ لروحي
بعدَ الهجرةِ في الأنوَاء
يا ليتَ القدرَ يبدِّدُ وجعَ النهرِ
الراحلِ بين صدورِ الموتِ شقَاء
يا ليتَ الدمعةَ في أحداقِ المطرِ
الأخضرِ تُطفئ ظمأَ الشجرِ
ترمُّ الداء..
يا ليتَ حديثَكِ يأتي غيبًا بينَ حضوري
ينسابُ نماء..
يا أعظمَ فتحٍ في تاريخِ هواي
وأروعَ حسٍ جاء
يا أنبلَ قدرِ ساقَكِ مني
يا أصدقَ وعدٍ جعلَ الموتَ لِقاء
حمدًا للصبرِ بعينِ بُكائي
فأنَا مِنْ غيرِكِ طفلٌ يحبو
في كفِ النارِ
ويزحفُ وهنًا في البَيداء
وأنا مِنْ غيرِكِ لستُ أكونُ
سوى رحّالٍ بين همومِ حريقي
أطوفُ بسقفِ الأرضِ هواء
ماذا يبقى غيرُ الحمدِ
وتقوى اللهِ وطولِ دُعاء
ولهذا الدربِ سأجعلُ باسمكِ
من قافلةِ الغيثِ الظامئ
في الأعماقِ العطشى بحرَ عطاء
ولهذا المجدِ سيبقى الحبُّ
حدائقَ نجوى في الآفاقِ
مدارَ العمرِ
ويظلُّ غيابُكِ فينا
صرحَ بَقَاء.

شارك على
Comments (0)
Add Comment