حرب الطاعون المتحور داخل العاصمة السودانية …!!!
تقرير: عبد القادر جاز
يمر السودان بمنعطف خطير يكاد أن يعصف بأهم الركائز الرئيسية للدولة السودانية التي وجدت نفسها ما بين عشية وضحاها أمام أصعب الاختبارات التي لا تتحمل نظام البدائل في كلا الأحوال من خلال المعركة الدائرة ما بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع داخل العاصمة السودانية، على حسب تصريحات بعض الخبراء والمختصين في الشأن العسكري وما روجت له وسائل الإعلام المختلفة، مضيفا أن هذه المعركة قد تجاوزت التقاليد والأعراف السودانية الأصيلة الذي يحكمها نظام الجوديات بحل المشاكل والخلافات، وفقا لهذه المعطيات والمؤشرات يبدو أن الجوديات لا تصلح مع هذا الموقف الشديد الحساسية الذي أوصل طرفي النزاع إلى طريق مسدود نتيجة لخرق أكثر من هدنة خلال هذه المعركة ما يجعلنا أكثر تشاؤما بهذه الوضعية، السؤال المطروح، كيف يتثنى لنا أن نسقط عبارة ” كل البلد دارفور” على المشهد السوداني الآن؟ ثم ماذا بعد هذه المعركة الطاحنة والصراع الدموي؟ هل من إمكانية لإعادة صياغة تشكيل الدولة السودانية من جديد؟ ما مصير الآلاف من السجناء الذين خرجوا من السجون، والمتوقع أن تتسع دائرة الانفلات الأمني في الخرطوم والولايات، يحدث كل ذلك في ظل غياب تام للأجهزة الشرطية والأمنية من دائرة الأحداث، كيف سيواجه المواطن هذه الموجة الإجرامية؟
مقاربة مربكة:
قال الأستاذ يوسف ريحان رئيس المعهد الأفريقي للسلام والتنمية ربما سياق الموقف الراهن بالنظر إلى العمليات الدائرة ما بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع باعتبار أن القوات المسلحة مؤسسة قومية عريقة مازالت تشكل العامل الأهم في وحدة واستقرار الدولة السودانية منذ نشأتها، منبها بأن في المقابل قوات الدعم السريع يمثل جزء كبير منها مجموعة متنوعة من المكونات الدارفوراية الإثنية، مؤكدا أن ذلك يجعلنا أمام مقاربة مربكة، مبينا أنه إلا أنها غير متكافئة بحيث ترجح كفة المؤسسة العسكرية باعتبارها تمثل بعدا قوميا ومؤسسة مركزية تعتبر هي الأصل وما دونها الأفرع المنضوية تحتها، دون أن يكون لها أي استقلالية للدرجة تجعلها في موقع موازي لها.
المؤازرة والمناصرة:
أوضح ريحان أن عبارة “كل البلد دارفور” تأتي في إطار مناصرة قضية إنسان دارفور الذي واجه الظلم والتهميش الممركز مما جعل الخطاب الشعبي القومي مؤازرا ومناصرا لها ومعبرا عن الوحدة الوطنية، التي تجعل الوطن كالجسد الواحد إذا شكي منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
قلب الحدث:
أبان ريحان أن الصراع الدائر الآن على الرغم من تهديده لأمن المواطن واستقراره وفقده للكثير من الأرواح ونأسف لفقدانها ونترحم عليها، ووصف أن هذه الحالة الاستثنائية الأبرز التي يتعرض لها المركز، معتبر إياها حالة طارئة لا ترتقي للدرجة التي يمكن أن تصيغ أو تعيد تشكيل الدولة السودانية من جديد، ولفت إلى أنها شكل من أشكال الصراعات المريرة التي تعرضت لها أجزاء واسعة من جغرافية السودان المترامية الأطراف وخلاف عاصمة البلاد بمأمن منها، مضيفا أن هذه المرة للمفارقة في قلب الأحداث والهدف الذي توجه إليه النيران، مرجحا إنه ستتجاوز هذه المحنة قريبا.
حالة الصدمة:
قال ريحان إن ما تتعرض له الخرطوم وبقية المدن من تمرد وخروج عن سلطة الدولة، إنما هي حالة شبيهة بالصدمة التي أربكت الكثير من المشهد وعلى حد ما المنظومة الأمنية، قائلا في ظل هذه الحالة سيكون خروج كميات من متعادي الإجرام أصحاب السوابق في العنف والسلب والنهب، معتبرها إضافة سالبة لما هو موجود أصلا من انفلات أمني أوجدته هذه الحرب الطارئة، دعا إلى ضرورة تضافر الجهود الشعبية والشبابية ولجان المقاومة في المساهمة في تأمين الأحياء بالقدر المستطاع والالتزام بتوجيهات القوات النظامية للحد من أثر هذا الانفلات الأمني.
خطوط الشيطان:
قال ريحان صحيح أنه حدثت اختراقات للهدنة عدة مرات وتبادل الطرفان الاتهامات فيما من يتحمل المسئولية، منوها أن ذلك يظل للقوات المقاتلة تقديراتها الخاصة فيما تراه مناسبا لحسم هذه المعركة وفقا لمنطق كليهما مع وضع في الاعتبار أن هذه الحرب تتعدى تأثيراتها على الوطن والشعب والاقتصاد والحالة الاجتماعية والإنسانية، مؤكدا أن هذا لا يجعلنا نقف مكتوفي الأيدي بل يجعلنا مبادرين بدفع مقترحات لحل الأزمة بالطريقة التي تعيد الأمور إلى نصابها، تؤدي إلى وقف كامل لتلك الحرب، مستطردا بقوله إن الأزمة على الرغم مما تبدو عليه معقدة إلا أنها يمكن أن تكون في غاية السهولة واليسر إذا وضعنا أطماعنا وتطلعاتنا الذاتية جانبا واحترامنا مؤسساتنا وشعبنا، مبينا أنه إذا كان للوطن والدولة مكانة وقيمة عليا لتكسرت إزاء ذلك كل خطوط الشيطان ولسلمنا وسلم الوطن من كل مكروه،
ثوابت الأمة:
دعا ريحان إلى ضرورة التذكير بأهمية تفعيل دور الإدارات الأهلية والمجتمع المدني أن يكونا على قدر المسئولية الوطنية، وناصحين أمنيين لا ينحازان إلا لثوابت الأمة، تحقيقا لأمن وسلامة واستقرار البلاد في هذه المرحلة الحرجة، مشيرا في هذا الخصوص لن يكون في ظل تعدد القوات وعدم ولاية القوات المسلحة عليها، فإنه في آخر المطاف لا يصح إلا الصحيح.
الثورية العفوية:
وصف د. بشير إبراهيم أبكر أستاذ علم الاجتماع والانثروبولوجيا بجامعة القضارف أن عبارة ” كل البلد دارفور” وهي عبارة ثورية عفوية صادقة لتوحيد الثوار ضد النظام السابق، كشف إن هذه العبارة تعرضت للاهتزاز بفعل مجموعات انفصالية ومتطرفة نشطت خلال الفترة الانتقالية، مرجحا أن تلك المجموعات تدعو لقيام دولة في الشمال ودارفور ليست في خارطتها الجغرافية، معتبرا أن الصراع الدائر حاليا بمثابة اختبار حقيقي في كيفية تماسك الدولة السودانية وخاصة الربط المخل بين دارفور كمنطقة جغرافية والدعم السريع كطرف في الصراع الدائر في الخرطوم، مشيرا في هذا الخصوص أن مجموعات كثيرة ترى ضرورية التخلص من دارفور كجزء من البلاد.
الامتيازات والبقاء:
جزم د.بشير أن الدولة السودانية لن تتشكل من جديد مهما كان الأمر، وأضاف بقوله: إذا حسمت المعركة بانتصار الجيش أو التفاوض سوف تحافظ الدولة القديمة على امتيازاتها، مرجحا أن الأسباب تكمن في أن الدولة القديمة تمتلك وسائل القوة والعنف وتسخرها لبقائها وتستميت في سبيل عدم الإخلال بتوازن القوى القديمة المتمثلة في دولة الجيش والرأسمالية والقوى التقليدية في مقابل الهوامش أو الأطراف الضعيفة تنمويا والتابعة للمركز.
الحلقة الأضعف:
أكد د.بشير أن المواطن هو الحلقة الأضعف في هذا الصراع، مشيرا إلى أن خروج المساجين سيؤثر على الأمن، بالتأكيد ليس كله بسبب المساجين المطلق سراحهم، بل أن هناك مجموعات نهب موجودة مسبقا، فضلا عن الظروف المعيشية الصعبة التي قد تدفع بعض المواطنين للانخراط في أعمال العنف والنهب.
فرصة العودة:
قال د.بشير إن الجوديات لن تحل هذا الصراع باعتبار أن الذي يحدث أطرافه متعددة، مشيرا إلى أن البعض يرى مناصرة الجيش بدافع تكوين مؤسسة عسكرية واحدة، والبعض منهم يرى في انتصار الجيش فرصة للعودة للسلطة، بجانب فئة أخرى ترى ضرورة الحل بالتفاوض، لافتا إلى أن مثل هذه التعقيدات تجعل الحل عن طريق الوساطات صعبا للغاية، مستطردا بقوله: من الأرجح أن يستمر النزاع بانتصار أي من طرفي النزاع أو أن يصلوا إلى نقطة توازن الضعف ويستجيبا لدعوات وقف الاقتتال والصراع.