حرب الخرطوم لاستعادة صور الماضي… أم للاستدراك التاريخي؟

حرب الخرطوم لاستعادة صور الماضي… أم للاستدراك التاريخي؟

تقرير: عبد القادر جاز

على خلفية الحرب الدائرة بالخرطوم ما بين القوات المسلحة ومليشيا الدعم السريع وما خلفتها من أضرار بشرية وتدمير للبنية التحتية والممتلكات مخلفة وراءها آثار نفسية كبيرة نتيجة لتشابه الصور الذهنية ما بين الماضي والحاضر، ألا يعني ذلك استعادة للمنهج التاريخي لدولة المهدية عن سقوط وتحرير الخرطوم أم أن ذلك مؤشر لكوننا نعيش في زمن الاسترجاع الاصطناعي للذاكرة؟
يرى البعض أن ما تضمنه المنهج التاريخي يفتقد للدقة في عرض الحقائق بإظهار الإيجابيات وإخفاء السلبيات، ما يجري الآن من تفجر للأوضاع لما ظل خافيا، باعتبار أن الحكومات التي تعاقبت على السلطة ما بعد الاستقلال لم تستوعب الدروس والعبر بعد.. من واقع الممارسة السلوكية الخاطئة.

شرعنة القوة:
أكد د.نجم الدين السنوسي الأستاذ المشارك بكلية العلوم السياسية والدراسات الاستراتيجية بجامعة الزعيم الأزهري أن الحرب الدائرة في الخرطوم ليس لها علاقة بالأبعاد التاريخية باعتبار أن الصراع الحالي بين مكونات سودانية وليس مع كيان خارجي، مبيناً أن السياق التاريخي لا ينطبق على الصراع الحالي ما بين الجيش وقوات الدعم السريع، واصفاً الصراع الحالي بأنه صراع نفوذ وهيمنة السلطة، وانفراد في اتخاذ القرارات بشرعنة القوة، وسعي الطرفين لمعالجة الاختلالات الأمنية التي أنتجها النظام الإسلامي بتكوين كيانات موازية خارج إطار الدولة والجيش والتي أدت إلى تفجر الأوضاع.

السيناريوهات الزمنية:
قال نجم الدين أعتقد أننا نعيش في زمن الاسترجاع الاصطناعي للتاريخ القديم وفقاً للمعطيات الحالية المختلفة عن السياق التاريخي من حيث المعطيات الزمنية والشخصيات الصانعة للسياسة السودانية، معترفا بأن المنهج التاريخي لا يفتقد للدقة لكنه لم يناقش بالمصداقية والشفافية السلبيات التي حدثت في الماضي من جرائم وعدم الاعتراف بالآخر والاستعانة بالخارج وهو السيناريو الذي يتكرر صورة بالكربون.

الدروس المستفادة:
أقر نجم الدين بأن الحكومات السابقة لم تكن مدركة لحجم التحديات التي واجهت الدولة السودانية فيما يتعلق بقضية بناء الدولة والتعايش الاجتماعي، مشيراً إلى أنها انشغلت بالخلافات والصراعات الداخلية بعيداً عن معالجة مثل هذه الاختلالات، لافتاً إلى أن السودان لم يكن متجانسا اجتماعياً ما قاد لأن تواجهه إشكاليات مهددة للأمن القومي على سبيل المثال: مشكلتي الجنوب ودارفور، معتبراً أن الحكومات لم تتعلم من الدروس السابقة لمعالجة أخطاء الماضي، داعياً لضرورة الاهتمام بالتاريخ لصناعة المستقبل وعدم تكرار أخطاء الماضي من خلال الاعتراف بالآخر وعدم الإقصاء وإعطاء الآخرين حقوقهم.

إدراك الأخطاء:
أكدت الأستاذة رانيا عمر الصحفية والناشطة الحقوقية أن التاريخ السوداني معظمه لم يثبت بأنه كتب بأيدي سودانية باعتبار أن المعلومات التي وردت فيه لم تحدد المسار الصحيح لإدارة الدولة، معتبرة أن من كتب التاريخ لم يتحر المصداقية في سرد الحقائق في إطاريها السلبي والإيجابي للاستفادة من الأخطاء وجعلها فرص نجاح لمعالجة الاختلالات في المستقبل، مستطردة بقولها: إذا لم نعترف بأخطاء الماضي سنظل على ذات النهج سيتغير الزمن ويظل السلوك قائم، وشددت على ضرورة إدراك الأخطاء وتصحيحها حتى لا يقع أبناؤنا في ذات الإشكالات.

عناق الأسلاف:
اعترفت رانيا أن هنالك إشكاليات حقيقية في إدارة الدولة السودانية اعتدنا أن نرمي أسلافنا باللوم بعيداً عن التكالب الذي فرض علينا من قبل الدول العربية والأجنبية، مستطردة بهذه الوضعية سنظل في غفلة من أمرنا دون إدراك ما يدور في المحيط، داعية إلى ضرورة تغيير أسلوب إدارة الدولة والعلاقات الخارجية وصقل الكوادر الناشئة لمعرفة مفهوم الدولة الراشدة لإدارة مواردها التي لا تضاهيها دولة لا في القريب ولا في البعيد، مرجحة أن هذا هو السبب الرئيسي للإشكاليات التي تتناوشنا من كل جانب، متوقعة من خلال الوضع الراهن أن يعي الجميع الدرس لتتغير الصورة القاتمة ما بعد مرحلة الاستقرار في البلاد في جميع الأصعدة.

عبرة التباين:
أوضحت رانيا أن قيام الثورة المهدية رداً على مظالم الحكم المصري تحت الوصاية الانجليزية في السودان، مبينة إن فكرة المهدية بنيت على فكرة المهدي الذي يظهر في آخر الزمان ويملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا، مما ساهم في استجابة السودانيين للمهدية بقوة مكنتهم من هزيمة القوات الحكومية والسيطرة على السودان، موضحة أن الحكومات التي تعاقبت على السلطة ما بعد الاستقلال تولت الحكم عبر الانقلابات العسكرية بإيعاذ من أحزاب سياسية، أو عبر ثورات شعبية، على سبيل المثال: كما حدث في عام 1964م ضد الفريق إبراهيم عبود وفي عام 1985م ضد المشير جعفر نميري، مشيرة إلى أن العبرة في عدم الوعي الكافي للتباين الثقافي المجتمعي في كل أقاليم البلاد، مستطردة بقولها: إن الحكم اللا مركزي هو الأنسب بإعطاء كل إقليم حقه ومستحقه في نظام الإدارة ووضع القوانين والتشريعات التي تتناسب مع ثقافة المجتمع القائم بالإقليم المحدد، لافتة إلى أن قيام المجالس التشريعية لإجازة التشريعات وتكوين وزارات سيادية مركزية كوزارة الدفاع والداخلية والخارجية وهذه رؤية الأستاذ علي محمود حسنين رحمه الله في تشكيل وصياغة التشريعات والقوانين في السودان

شارك على
Comments (0)
Add Comment