“تزوج مبكرًا وإن لم تفعل، فلن تتزوج” … بقلم: د. ولاء أمين
الحقيقة أنها مقولة فيها الكثير من الصدق، لأنك مبكرًا تخضع لمعايير المجتمع في اختيار الشريك، معايير دينية ومعايير مادية، لكن حين تكبر تتكون معاييرك الخاصة التي توصلك لقناعة عليّ أن أعيش الحياة مفردًا وأرسم شكلها ثم تأتي الشراكة في وقت لاحق، عندها تصل إلى مرحلة الحسم الذي يجعلك ترفض دخول أي علاقة أو الموافقة على أي شخص…ذلك أنك تدرك أن وقتك ثمين وأيامك معدودة فلن تسمح باستنزافها في محاولة دراسة جدوى علاقة من عدمها، حين تكبر تتلخص مطالبك في شريك الحياة بأن يكون “سكن وسند”، قد تبدو مطالب بسيطة ولكن توافرها ليس بسيط ولا سهل أبدًا.
سند بمعنى أثق بالشخص وأثق بقدرتنا سوياً على تحمل مسؤوليات الحياة ومشاقها…الثقة نكتسبها حينما يشعر كل طرف بالمسؤولية والجدية والالتزام تجاه الآخر…ويمكن التعرف على وجود الثقة من عدمه من خلال سؤال واحد فقط…هل تلجأ إليه إذا مررت بأوقات صعبة أو واجهت تجارب قاسية؟!…إن كان كذلك فهو سند. أما سكن فالنفس تسكن إليه ابتداءًا من السكن والارتياح للشكل والملامح وصولاً إلى السكن النفسي، وهنا السكن النفسي لا يعني عدم وجود خلافات…بل على الرغم من وجود الخلافات السكن النفسي لم يتزعزع بل يترسخ ويتأصل بمرور الأيام…ولا يحدث ذلك إلا من خلال أمرين: الأول مناقشة ومحاورة نقاط الخلاف والقدرة على إيجاد الحلول المشتركة…وهنا ربما تتجدد الشكوى الدائمة “نختلف فينتهي الخلاف بخلاف أكبر وتزداد الفجوة يومًا بعد آخر”، هذه الشكوى بمثابة التجلي الأكبر لسوء الاختيار…لأنها تعبر عن حالة عدم وفاق، عدم القدرة على النقاش والحوار وتبادل الآراء تفقد الطرفين السكن النفسي وتسلب الطمأنينة من العلاقة…أما الثاني فهو وجود اهتمامات مشتركة، هذه الاهتمامات كفيلة بجعل كل طرف منشغل بعمله عن ذاته…ويرسخ مبدأ التغافل الذي يؤصل السكن النفسي ويولد علاقة صحية وبيئة مطمئنة ويحقق قوله تعالى “خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَ ٰجࣰا لِّتَسۡكُنُوۤا۟ إِلَیۡهَا وَجَعَلَ بَیۡنَكُم مَّوَدَّةࣰ وَرَحۡمَةًۚ”…أخيرًا علينا ألّا نغفل عن الجانب العاطفي في العلاقة، الآية تشير إلى أن العاطفة الحاكمة هي الرحمة…والرحمة كما يصفها الدكتور مصطفى محمود، الرحمة عاطفة إنسانية راقية ومركبة ففيها الحب والأخوة والصداقة والحنان والعفو والكرم وإنكار الذات…كلنا قادرون على الحب بحكم الجبلة البشرية، ولكن قليل منّا قادرون على الرحمة…ذلك أنها استعلاء على الجبلة الطينية وتجاوز للضرورات البشرية…ترفع عن الحيوانية والبهيمية والظلمة الشهوانية، الرحمة نور والشهوة نار…الرحمة هي شعار النبي الخاتم وخاتم الجنة على جباه الرحماء.