تحليل الشخصية السياسية السودانية… الواقع المأمول… !!!
تقرير: عبد القادر جاز
في واقع أصبح الكل يزاول فيه مهنة السياسة لضمان حقوقه وصولا إلى تحقيق غاياته وأهدافه، يرى بعض المحللين والخبراء أن ظاهرة تنامي ممارسة العملية السياسية قد طفح على السطح.
وأصبح الكل سياسيا يحلل الأحداث والمواقف، بجانب الاتفاقيات التي وقعت فإنها غفلت تماما عن محور رفع الوعي وركزت على الوحدة والسلام والاستقرار.
ما قادني لأسأل، كيف لي أن أحلل الشخصية السودانية من واقع خوضها معترك السياسة، هل السياسة وظيفة لكسب العيش أم أن هناك جزء غير معلوم ويحتاج إلى توضيح ؟ … وإسقاط ذلك على معظم الاتفاقيات التي وقعت ما بين الحكومات والمعارضة السودانية من حيث الأطر المفاهيمية والأهداف وآليات التنفيذ على أرض الواقع.
الإدعاء والتزييف:
أكد القائد فيصل عبدالرحمن السحيني رئيس تحالف قوى الجبهة الوطنية المتحدة للتغيير ” تقاوم” أن طبيعة الشخصية السياسية السودانية مثقفة متطلعة ولها ثقافة عامة، ليست ثقافة نابعة من دراسة محددة أو معرفة علمية دقيقة في المجال المعني.
ولفت إلى أن هنالك مرتكزات أساسية يجب إلمام السياسي بها لقراءة الواقع بعمق، وتحليله وفقا لمنظور سياسي برؤية نابعة من فهم سياسي حقيقي، ووصف واقع الممارسة السياسية الحالية بأنه أصبح الكل سياسيا من باب الادعاء وتزييف الواقع.
مشيرا في هذا الصدد إلى طبيعة الأزمات السياسية المستمرة في السودان والتي جعلت من الشخصية السودانية متابعة ومراقبة ومتعايشة مع الأحداث بشكل يومي، مستطردا بقوله إن الشخصية السودانية بطبيعتها مثقفة ومدركة لما يدور بمحيطها، لذا تجد السياسي السوداني يفتي في كل شيء يعرفه أو لا يعرفه!
موضحا أنه من الأدهى والأمر أن يجعل الشخص من نفسه خبيرا ومحللا في ذلك الأمر !! وكشف أن الممارسة السياسية أصبحت وسيلة لكسب العيش، ورغد المال، وليست لكسب التأييد السياسي الذي يدفع إلى الأمام من واقع منظور سياسي علمي حقيقي.
الكوب الفارغ:
قال السحيني إن أي اتفاق وقع ما بين الأطراف يتوافقوا عليه على حسب مدى جديتهم ورغبتهم في كيفية معالجة المشكلة من جذورها، أو عبر تسوية سياسية محددة، مبينا أن الهدف الأساسي لأي توقيع هو تحقيق السلام والاستقرار والأمن في البلاد.
وأقر بأن الطرف الحكومي بطبيعته بنظر دائما للجزء الفارغ من الكوب، بالتركيز على إنهاء الأزمة في الوقت الحاضر وبصورة مستعجلة دون إتاحة الفرصة لتحليل وتشخيص الأزمة وصولا إلى المعالجات والحلول المناسبة، وأعرب عن أسفه الشديد بأن الحكومة كطرف مفاوض تنظر للجانب الذي يهمها هو إيقاف الحرب بأي صورة ولو مؤقتا.
مؤكدا أن كل الاتفاقيات منذ أبشي وأبوجا وسرت والدوحة وأخيرا جوبا كلها فشلت، لأنها لم تخاطب جذور المشكلة وركزت على مطالب الثوار وقادة الحركات وما يرضيهم لوضع حد لإيقاف الحرب، مضيفا أنه وفق لهذه المؤشرات لم يكن لهم هم بعملية رفع الوعي وتثقيف الإنسان بما يتطلبه الوضع الماثل لمعالجة الأزمة من جذورها، مرجحا أن ذلك يرجع لاعتقادهم الراسخ أن هذا سيفتح عليهم أبواب وهم في غنى عنها، وتزيد معرفة الطرف الآخر بحقوقه وتمثل عقبة في طريق الوصول إلى اتفاق.
سقوط المفاهيم:
وصف الحسيني الاتفاقيات التي وقعت ما بين الحكومات والمعارضة بأنها اتفاقيات تسوية وترضية، وليست اتفاقيات حقيقية لمعالجة الأزمة وحلها من جذورها، مؤكدا أنها ارتكزت على أشياء ثانوية متمثلة في المطالب والمواقع والمال بعيدا عن جوهر الأزمة وسبب حمل السلاح، بالتالي الأطر المفاهيمية قد تسقط بفعل فاعل أو سهوا.
كاشفا عن طبيعة الحوار والنقاش حول القضية يتم بطريقة عفوية والخروج بأقل جهد دون التعمق في جذور المشكلة وبحث سبل المعالجة، معيبا على غالبية قادة حركات الكفاح نقص الوعي الكامل بحقوقهم ومطالبهم المشروعة التي رفعوا من أجلها السلاح.
وأردف بالقول إن قادة الحركات يقعون في أخطاء كثيرة ويحولون المطالب ومستحقات القضية لمصالح شخصية، ومنافع ذاتية تنهي أجل التوقيع دون حدوث تغيير على أرض الواقع، مبينا أن آليات تنفيذ الاتفاق تكون على حسب حجم الاتفاق هل هو دولي يخظى بقبول ودعم دولي وإقليمي أم اتفاق تسوية على أشياء معينة وفقا لرغبات محدودة، موضحا بأن طبيعة آليات التنفيذ والوسائل تختلف في حالة كان الاتفاق دولي يتم تنفيذه سريعا في حالة التوصل إلى التسوية يكون بطئ وغير مجدي، ويعتمد على أمزجة الطرف الآخر ومدى نظرته لقوة الطرف الموقع ووسائل ضغطه وقوته.
العقلية الرجعية:
أكد الأستاذ يسن هارون آدم أمين عام حركة العدل والمساواة الجديدة وعضو المجلس الرئاسي للتحالف السوداني القومي أن السياسي السوداني انحرف تماما عن المقصد الحقيقي للمهنة، فأصبح مصدر قوته وجبروته لكسب المال، بدلا من تقديم خدمة للوطن والمواطن على سبيل المثال الوضع الاقتصادي المتدهور ليس لنقص في الموارد، بل تكمن العلة في العقلية الرجعية السياسية التي أفقرت السودان، وأعاب على السياسي السوداني أنه يؤسس شركات ضخمة خارج البلاد، على سبيل المثال:
في بريطانيا هنالك أكبر شركة تقدم خدمات اجتماعية فهي سودانية واليوم عدد موظفيها لا يقل عن مليون موظف، بجانب أكبر البنوك في أوروبا السياسيون السودانيون يمتلكون أكثر من 25% من رأس مالها وذلك خصما على بناء الوطن، مؤكدا بأن هذا يدل على وجود نوع من الحقد في نفوس السياسيين، وكل هذه الأموال تم حكرها لمصالح شخصية ما.
مضيفا بأن السياسة في السودان أصبحت وسيلة للارتزاق وجمع المال من دون وجه حق، والمواطن يرزح تحت وطأة الفقر والحروبات والأمراض، مشيرا إلى أن الوظائف العامة في الدولة لا تخلو من توظيف الغير المؤهلين وإبعاد المؤهلين من إدارة شأن البلاد للخروج بها من المنعطف الذي أدى للتدهور في جميع الخدمات بالدولة.
ورقة خارجية:
قال يسن إن هناك عشرات الاتفاقيات مرت على تاريخ السودان، لكنها سرعان ما فشلت بمجرد التوقيع عليها، ووصف المسودة الحقيقية للاتفاق هي عبارة عن التعريف بالاتفاق والعملية السلمية، موضحا أن الاتفاقيات الحقيقية يتفق عليها الطرفان، ويتم تدوينها في ورقة خارجية والكل يحتفظ بالنسخة الخاصة به في جيبه بمجرد ظهور تقصير من الجانب الملتزم من مستحقات الآخر تكتب نهاية الاتفاق.
اعترف يسن بأن كل الاتفاقيات لا تنظر للأسباب الحقيقية التي جعلت نشوب الحرب والصراعات المسلحة في السودان أسبابها التنمية والتوزيع الغير عادل للسلطة والثروة، مبينا أن السلام والاستقرار لا يتحققان إلا بالتنمية المستدامة، وأقر بأن جميع الاتفاقيات لم تناقش جذور الأزمة، و ارتكزت على الشعارات بعيدا عن أي برنامج يعالج قضايا الوطن، مؤكدا بأن الغلبة لمن يملك السلاح والقوة في بسط سيطرته لضمان حقوق الاتفاق الموقع لعدم توفر الثقة بين المكون السياسي السوداني، وعدم الجدية من الأطراف لحل الأزمة من جذورها.