بودو/غليمت المفاجأة النرويجية السارة أوروبياً
تقرير: عاصم كريشان
لعلنا عندما نتحدث عن كرة القدم النرويجية فإن أول ما يخطر على بالنا هما فريقا روزنبورغ ومولده العريقان، كيف لا وهما أكثر الفرق النرويجية شهرة وشعبية وتنافسية وتحقيقاً للألقاب في السنوات الأخيرة على مستوى كرة القدم النرويجية بل وهما أكثر من مثل كرة القدم النرويجية في المسابقات الأوروبية. لكن فريقاً جديداً ظهر على الساحة المحلية في النرويج بعد صعوده إلى دوري القمة في عام 2017، ألا وهو بودو/غليمت…. هذا الفريق الذي حقق الدوري المحلي مرتين على التوالي بعد صعوده قبل 4 مواسم وهو إنجاز غير مسبوق لفريق صاعد من دوري المظاليم.
البداية:
مشاركات فريق بلدة بودو الصغيرة أوروبياً لم تشهد الكثير من النتائج الإيجابية سوى في هذا الموسم بالتحديد، فالفريق الأصفر كان قد شارك في المسابقات الأوروبية لأخر مرة عام 2004 في بطولة الدوري الأوروبي بسماها القديم (كأس الاتحاد الأوروبي). بدأ بودو موسمه الأوروبي في شهر يوليو عندما أوقعته قرعة التصفيات التأهيلية لمسابقة دوري الأبطال أمام عملاق الكرة البولندية ليغيا وارسو الذي تخطى بطل النرويج بجموع المباراتين (5-2)، حيث بدت هذه النتيجة منطقية نظرياً لخبرة الفريق البولندي في أوروبا.
خسارة تسببت في خوض بودو لتصفيات البطولة الجديدة التي أطلقها الاتحاد الأوروبي هذا الموسم والمعروفة باسم دوري المؤتمر الأوروبي، حيث واجه في الدور التأهيلي الثاني بطل ايسلندا فالور ريكيافيك الذي سحقه بودو بسداسية نظيفة في مجموع المباراتين، ليواجه بطل كوسوفو بريشتينا والذي تأهل بطل النرويج على حسابه بصعوبة (3-2) في مجموع المباراتين، ليواجه العقبة الأخيرة في مشوار التصفيات… فريق زالغريس فيلنوس بطل ليتوانيا والفريق الخبير في التصفيات الأوروبية، خبرة لم تكن كافية لأبطال ليتوانيا الذي هزموا أمام إصرار الأصفر النرويجي (3-2) بمجموع المباراتين، ليتأهل بودو إلى دور المجموعات لمسابقة أوروبية لأول مرة في تاريخ الفريق النرويجي.
دور المجموعات:
أوقعت قرعة بطولة دوري المؤتمر الأوروبي فريق بودو/غليمت في المجموعة الثالثة إلى جانب فرق روما الإيطالي، وسسكا صوفيا البلغاري وزوريا لوهانسك الأوكراني. مجموعة وصفت بالصعبة جداً لبودو بسبب تواجد الفريقان المعروفان تاريخياً في أوروبا وهما روما بقيادة السبيشيل ون جوزيه مورينيو وفريق سسكا صوفيا البلغاري الذي شهد نجاحات باهرة أيام الثمانينات بالإضافة لفريق زوريا الأوكراني الذي شارك في عديد المناسبات أوروبياً.
إحصائيات وأرقام لم تهم كثيراً بطل النرويج في الموسمين الماضيين الذي حقق نتائج مفاجئة وأرقاماً كبيرة أذهلت جميع المتابعين، فالفريق النرويجي انتصر في مباراته الأولى على زوريا الأوكراني بثلاثية قبل أن يتعادل مع سسكا صوفيا البلغاري سلبياً في العاصمة صوفيا، حتى جاءت النتيجة الأغرب والأثقل على نادي روما الإيطالي الذي هُزم في النرويج أمام بودو بسداسية مقابل هدف جعلت العديد من المتابعين يراقبوا هذا الفريق النرويجي عن كثب.
أنهى بودو مرحلة الذهاب متصدراً بسبع نقاط وبفارق نقطة عن أبناء جوزيه مورينيو الذين تعادلوا مع بودو في العاصمة روما بهدفين لمثلهما في أولى مباريات مرحلة الإياب. ثم الفوز بهدفين على سسكا صوفيا والتعادل الإيجابي مع الفريق الأوكراني زوريا الذي أفقد بودو الصدارة لصالح نادي روما.
المرحلة الاقصائية:
بحسب النظام الجديد لبطولتي دوري المؤتمر والدوري الأوروبي فإن أصحاب المركز الثاني في المجموعات عليهم خوض لقاءين فاصلين للتأهل لدور الستة عشر من المسابقتين، وهذا ما حدث مع بطل النرويج حيث أوقعته القرعة مع منافس قوي وصاحب تاريخ كبير ألا وهو سيلتيك الإسكتلندي الذي يعد أول فريق إسكتلندي يتوج بمسابقة دوري أبطال أوروبا. استضاف الكبير الإسكتلندي ضيفه النرويجي على ملعب سيلتيك بارك في مدينة غلاسكو وسط حضور جماهيري كثيف لسيلتيك، حشد لم يكن مخيفاً ولا كافياً لإيقاف الفريق الملقب بالبرق، حيث نجح بودو بتحقيق انتصار تاريخي على العريق الإسكتلندي في غلاسكو بنتيجة 3-1 ذهاباً، وتجديد الانتصار إياباً بنتيجة 2-0 على ملعب اسبميرا البالغ سعته 9 الاف متفرج تقريباً.
انتصار تاريخي وضع بطل الكرة النرويجية في مواجهة فريق مميز محلياً وأوروبياً هو أي زد الكمار الذي توقع كثيرون أنه سينهي مغامرة النرويجيين في البطولة، إلا أن هذا لم يحدث، فبعد الفوز الصعب ذهاباً في النرويج لبودو بهدفين لواحد، كانت مباراة الإياب في ملعب افاس في الكمار الهولندية أكثر صعوبة وتعقيداً للفريقين، إلا أنها ابتسمت للنرويجيين الذين تعادلوا بهدفين لمثلهما خلال الأشواط الإضافية. فوز وتأهل وضعهم في الدور ربع النهائي لمواجهة خصم قديم يسعى للانتقام.. نادي روما.
عندما وضعت القرعة روما في مواجهة بودو للمرة الثالثة هذا الموسم في مسابقة دوري المؤتمر بدأ الجميع يستذكر اللقاء المشؤوم الذي انتهى بفضيحة مدوية لفريق العاصمة الإيطالية قوامها ستة أهداف لهدف. حيث أن مواجهة الذهاب ستقام في النرويج تليها مباراة الإياب في إيطاليا وهو نفس الترتيب خلال دور المجموعات.
نجح بودو في تحقيق انتصاره التاريخي الثاني على روما بهدفين لهدف حيث أصبح الفريق النرويجي هو ثاني فريق أوروبي يفشل البرتغالي جوزيه مورينو في الفوز عليه في نفس الموسم بعد ريال مدريد الإسباني. نتيجة أثارت انتقادات كبيرة للفريق الإيطالي وللجهاز الفني الذي أبدى ثقة كاملة في التأهل في مباراة الإياب رغم الخسارة ذهاباً، وهو ما حصل تماماً حيث نجح روما بتسجيل فوز كبير على بطل النرويج برباعية نظيفة وبأداء مميز وسط حضور جماهيري كبير في ملعب الأوليبمكو في العاصمة روما لينهي بذلك أبناء جوزيه مورينيو رحلة الفريق النرويجي المثابر.
العزيمة والإصرار تصنع المستحيل
لا شك أن ما حققه بودو/غليمت نظراً لإمكانياته هو أمر مثير للأعجاب ويستحق التقدير والاحترام من الجميع، لكن هذا الإنجاز الذي أوصل بودو الفريق الذي لم يكن معروفاً والمنتمي لبلدة صغيرة في النرويج ما كان ليتحقق لولا الإيمان الكبير والثقة والعزيمة والإصرار والرغبة في كتابة تاريخ لأبطال الكرة النرويجية الذين قدموا أنفسهم بطريقة أكثر من رائعة لأوروبا وسطروا إنجازاً أوروبياً كبيراً لكرة النرويج. استحق بودو بكل جدارة وفخر أن يكون المفاجأة النرويجية السارة في أوروبا.