القيل والقال في فوائد الابتذال
بقلم: ناصر عراق
لا تتعجب، فإن للابتذال فوائد جمة يمكن استثمارها بشكل إيجابي، هذا لو أردنا تطوير المجتمع والنهوض به إلى الأمام، ومن ثم التحرر من أسر هذا الابتذال وسحقه.
قبل أن أشرح فكرتي، أود تحرير كلمة أولية عن مفهوم الابتذال الذي أعنيه هنا، وهو الابتذال في الفنون والآداب تحديدًا،
ذلك أن هذا الابتذال حين ينتشر ويروج، فإنه سينعكس بشكل سلبي على سلوك الناس وأفكارهم ورؤاهم للحياة والمجتمع.
تخيل معي، على سبيل المثال، أغنية مبتذلة تغنى بها أحدهم، فوجدت من يروج لها على مواقع التواصل الاجتماعي وفي قنوات يوتيوب،
حتى غدت تسطو على آذان غالبية الناس وتدغدغ مشاعرهم الأولية. إننا بذلك نسمح للذوق أن يفسد وللمشاعر الراقية أن تحتجب. فما العمل إذن؟
لا ريب في أن شيوع الكلمات المبتذلة والموسيقى البدائية التي تخاطب الغرائز الأولية المباشرة يرتبطان بمدى المستوى الثقافي العام الذي يسود هذا المجتمع أو ذاك،
فإذا نجح عمل “إبداعي” مبتذل في فرض نفسه على الناس، فاعلم أن هذا المجتمع يعاني خللا في المعدل السويّ لذائقته، وأن عليه ان يعكف على مواجهة الابتذال بكل ما أوتي من قوة وحكمة وحصافة.
الأمر نفسه يتكرر في عالم الأدب، فكم راجت روايات ودواوين شعرية قليلة القيمة محدودة الجمال،
لكن براعة التسويق والمستوى المتدني للذائقة وشحوب المزاج الراقي… كل ذلك أسهم في تصدير هذه الأعمال المبتذلة بوصفها “الأفضل والأجمل والأكمل والأهم”.
في جعبتي مثال قديم أراه مناسبًا، وهو:
في فيلم (دليلة) للمخرج محمد كريم، والذي عرض في 15 أكتوبر 1956، يضطر البطل الفقير عبدالحليم حافظ أن يغني في ملهى ليلي أغنية “مبتذلة” حتى يستطيع أن يجد قوت يومه.
كلمات الأغنية تقول (الحق عليه ويخاصمني، وأصالحه ما يرضى يكلمني/ أعمله إيه ها يجنني/ الحق عليه… عليه… عليه).
بمقايسس الجمال الفني الراقي لعام 1956 كانت هذه الكلمات ذات الإيقاعات الموسيقية الصاخبة الرتيبة تعد من الأعمال المبتذلة، ومع ذلك، فإن رواد الملهى تفاعلوا وهللوا وصفقوا لما تغى به حليم.
لكن، إذا أكملنا مشاهدة الفيلم وأنصتنا إلى ما يشدو به عبدالحليم من أغنيات راقية المعنى والمبنى في الفيلم نفسه،
سنكتشف كم أن المعايير السامية في الفن هي التي انتصرت، فقد قدم لنا الفنان القدير بحق أغنيات بديعة مثل: (كان فيه زمان قلبين/ حبيب حياتي/ حرام يا نار/ اللي انشغلت عليه) وغيرها.
هكذا إذن، كلما حاول الابتذال أن يسطو على وجدان الناس وعقولهم، تصدى له الفن الراقي والأدب الرفيع، حتى يزيحوه من المشهد الإبداعي.
لكن علينا الإدارك أن إزاحة الابتذال من حياتا في حاجة إلى إرادة وهمة وإصرار وأموال وقناعة من قبل من بيدهم الأمر،
حتى يوفروا للإبداعات الراقية ما هي في حاجة إليه من حضور وانتشار: في المدرسة… في أجهزة الإعلام… في المؤسسات الثقافية… في تكريم المبدعين… في تشجيع المواهب الشابة.
هل عرفت الآن أن للابتذال فوئد؟