السودان: حين يحكم العسكر وتنتحر الأوطان
بقلم: د. هشام الأمين
في بلادٍ تعوّدت أن تستيقظ على دويّ الانقلابات وتنام على وعود الإنقاذ، لم تكن “الحياة” سوى فاصل إعلاني بين حرب وأخرى. السودان، هذا الوطن الذي وُلد من رحم النيل، وُلدت فيه الأحلام على أنقاض البنادق، وابتُليَ منذ استقلاله بعقلٍ عسكري لا يحترف سوى لغة واحدة: العنف.
عسكرٌ من حديد … وشعبٌ من طين!
منذ فجر الاستقلال في 1956، لم تهنأ البلاد إلا بفترات مدنية خاطفة، سرعان ما تنقض عليها دبابات العسكر كما تنقض الذئاب على فريسةٍ واعدة.
• انقلاب عبود (1958): أول مسمار في نعش الديمقراطية الوليدة. حُكم بالحديد والنار، وأُسكتت الأصوات التي كانت تحلم بوطنٍ حر.
• انقلاب النميري (1969): جاء باسم الثورة، فانتهت الثورة أكواماً من الضحايا والسجون. سنواته الطويلة كانت مسرحًا لتقلبات إيديولوجية، من يسارية ناصرية إلى إسلاموية مقنّعة.
• انقلاب البشير (1989): أطول الديكتاتوريات وأشدّها فتكًا. ثلاثون عاماً من القهر، تخللتها حروب الجنوب والغرب والشرق، وانتهت بتقسيم البلاد، وسقوط الوطن في قبضة الفقر والحصار الدولي.
• انقلاب البرهان (2021): انقلاب على الثورة نفسها، التي أسقطت البشير ومحاولة جديدة لعودة ذات النظام السابق. كأن الثورة لم تكن، وكأن الدماء لم تُسفك من أجل الحرية.
في كل مرة يخرج فيها العسكر من ثكناتهم، يدخل الوطن إلى نعشه.
عقل العنف … حين يتحوّل الجيش إلى دولة
تُخبرنا حنّا أرندت أن العنف حين يلازم السلطة، تصبح السلطة محض استبداد. وفي السودان، لم يكن الجيش حارساً للحدود، بل حارساً لكرسي الحكم.
الأنظمة العسكرية في السودان لم تؤمن يوماً بالدولة، بل آمنت فقط بـ”السيطرة”. فغابت العدالة، وغُيّبت التنمية، وصارت البنادق هي اللغة الرسمية للدولة.
والمشكلة ليست في البندقية، بل في عقل البندقية.
• الجيش لا يعرف التسامح، يعرف الانضباط.
• لا يُجيد الإصغاء، بل يُجيد إصدار الأوامر.
• لا يحاور، بل يُعاقب.
• لا يبني وطنًا، بل يبني أسوارًا.
وحين يُفرَض هذا العقل على مجتمعٍ مدني، تتحوّل المدن إلى معسكرات، والمدارس إلى ثكنات، والشوارع إلى كمائن خوف.
حروب الجنوب ودارفور والحرب الآن
ما من جرحٍ في جسد السودان إلا وكان العسكر أول مَن طعنه:
• حرب الجنوب (1955 – 2005): خمسون عامًا من النزيف. فشلٌ ذريع في الاعتراف بالتعدد، انتهى بانفصال الجنوب وولادة دولة لا تزال تتعثر.
• دارفور (2003 – ؟؟؟؟): واحدة من أسوأ المآسي الإنسانية في التاريخ المعاصر. مئات الآلاف من القتلى والمُهجّرين، دون محاسبة.
• الخرطوم الآن (2023 – ؟؟؟؟): حرب شوارع وعصابات، حرب بيوت تُنهب ومستشفيات تُقصف. لا طرف منتصر، والوطن هو الخاسر الوحيد.
كل هذه الحروب ليست نتاج خلافات سياسية، بل نتاج عقلٍ عسكري لا يعرف الحلول سوى عبر البندقية.
عقل العنف … صناعة دولة من الخوف
“عقل العنف” ليس فقط استخدام القوة، بل هو غياب كامل لمنطق العقل، حيث تتحوّل الدولة إلى جهاز أمني، والناس إلى ملفات أمنية.
في ظل هذه الأنظمة:
• تغيب التنمية: العسكر لا يُجيدون الاقتصاد، لا يعرفون شيئًا عن الصناعة أو الزراعة أو التعليم.
• تُخرَس الصحافة: لا صوت يعلو فوق صوت الرصاصة.
• تُقنّن القسوة: السجون تُبنى أكثر من الجامعات.
• تُفصّل العدالة: القوانين تُسنّ لحماية الحاكم لا المواطن.
لماذا يخاف العسكر من العقل؟
لأن العقل يُسائل، والعسكر لا يحبون الأسئلة.
لأن العقل يُفكك الطغيان، والعسكر لا يحبون أن يُمسَّ عرشهم.
لأن العقل يُفهم السياسة على أنها عقد اجتماعي، والعسكر لا يفهمون سوى لغة الأوامر العسكرية.
خاتمة: حين يُصبح الوطن رهينة
السودان لا ينقصه الذهب ولا الأرض ولا الذكاء. ما ينقصه فقط أن يتنحّى عقل العنف، ويعود عقل الوطن.
ما ينقصه أن يُصدّق أن الجيش جيشٌ لحماية الدولة، لا لبناء دولة داخل الدولة.
ما ينقصه أن نكفّ عن الحنين للمنقذين بالبزّة الخضراء، وأن نؤمن بأن الحكم المدني ليس نزهة، لكنه خلاص.
آن الأوان أن نقولها كما هي:
لا تنمية مع العسكر، لا عدالة مع السلاح، ولا وطن يُبنى من فوق دبابة.