الساحل الإفريقي: من يجيب عن أسئلة السلام والإستقرار والتنمية في ظل الحروب؟

الساحل الإفريقي: من يجيب عن أسئلة السلام والإستقرار والتنمية في ظل الحروب؟

بقلم: سعد محمد عبدالله

تشهد منطقة الساحل الإفريقي تصاعدًا مقلقًا في الأزمات الأمنية والإقتصادية والإجتماعية، خاصة في شمال مالي، مع إمتداد المخاوف إلى بعض الدول مثل النيجر وجمهورية إفريقيا الوسطى، حيث يخيّم شبح الإضطرابات على واقع هش ومعقّد؛ فالحقيقة أن هذه الدول ظلت لسنوات طويلة تعاني من تراكم رواسب الإستعمار القديم والحديث، إلى جانب النزاعات ذات الطابع الإثني وإنتشار واسع للجماعات المسلحة التي تمارس مختلف أشكال الجريمة المنظمة، في ظل غياب الإستقرار السياسي وتفاقم الفقر والمجاعات؛ كما أن تداعيات الحروب، من نزوحٍ ولجوءٍ ودمارٍ للبنية التحتية، تزيد من تعقيد المشهد، خاصة مع تفاقم آثار التغير المناخي الذي أسهم في تصاعد النزاع على الموارد الطبيعية، وقد أفرزت هذه التحديات المتداخلة أزمات إنسانية عميقة وإنهيارًا مؤسف في الخدمات الأساسية، ما يستدعي البحث عن مقاربات جديدة تتجاوز الحلول التقليدية المألوفة إلى طرح حلول منصفة وشاملة، وفي هذا السياق، تبرز أهمية إستلهام الأفكار التحررية التي تدعو إلى الجرأة في مواجهة حقائق الواقع وتحدي الصعاب والثبات على طريق التغيير، كما عبّر عنها القائد توماس سانكارا، حيث يتطلب الواقع الراهن شجاعة في كسر الأنماط القديمة، والتفكير بعقل منفتح ومبدع، وإبتكار نماذج جديدة لبناء السلام والتنمية والعدالة الإجتماعية؛ بيد أن تجاوز هذه المرحلة الصعبة لا يمكن أن يتم البتة دون إيجاد إرادة سياسية واعية، ومشروع إقليمي متكامل يعيد صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع، ويضع الإنسان في مركز عملية البناء الوطني الجديد.

إن تطور الأحداث في دولة مالي يعكس صورة مكثفة لحجم التحديات التي تواجهها دول الساحل اليوم، حيث تتزايد وتيرة النزوح الداخلي، وتتسع رقعة نفوذ الجماعات المتطرفة والمرتزقة الذين يمارسون القتل والترويع، ويتاجرون بالبشر والسلاح والمخدرات، وهذا الواقع المأساوي لا يهدد مالي وحدها، بل يمتد تأثيره إلى دول الجوار المباشر وغير المباشر، ومنها السودان، الذي يواجه بدوره اليوم أوضاعًا أمنية معقدة تفرض حضوره في هذه الساحة؛ فمسألة التداخل الجغرافي والإجتماعي بين دول المنطقة يجعل من الصعب عزل أي أزمة داخل حدود دولة واحدة فقط، إذ سرعان ما تتسرب تداعياتها إلى المحيط الإقليمي وسط صراع دولي جارف لا يتوقف أبدًا، وهذا ما يفسّر رفع مستوى الإستعداد الأمني في الدول المجاورة لمالي بعد إندلاع المواجهات العسكرية الأخيرة فيها؛ ففي واقع الحالة السودانية، تبرز الحاجة الماسة إلى قراءة كل هذه المتغيرات بعين إستراتيجية وعقل مسؤول، خاصة في ظل التحديات الداخلية التي تتطلب العمل على تعزيز الجاهزية الأمنية، وتكثيف التنسيق مع دول الجوار؛ فحماية السيادة الوطنية لا تنفصل عن قضية إستقرار الإقليم، مما يفرض على المؤسسات المعنية تبني سياسات إستباقية قادرة على إحتواء التهديدات ومواجهة إمتداداتها المحتملة، بما يضمن الحفاظ على وحدة البلاد وسلامة أراضيها.

لا شك أن الإضطرابات الجارية في الساحل الإفريقي تؤثر بشكل مباشر على السودان، سواء عبر الحدود المفتوحة مع دول مثل جمهورية إفريقيا الوسطى وتشاد، أو من خلال الروابط الإجتماعية التاريخية والمعاصرة التي تربط بين شعوب المنطقة، ومع تسارع تطور وسائل النقل والتواصل في عالم اليوم، أصبحت المسافات أقل تأثيرًا، مما يزيد من إحتمالات إنتقال الأزمات عبر الحدود؛ ومن هنا، تبرز أهمية تفعيل دور المنظمات الإقليمية، مثل المجموعة الإقتصادية لدول غرب إفريقيا (الإيكواس)، إلى جانب تحالف دول الساحل، للعمل في تنسيق الجهود الأمنية والسياسية بغية مواجهة التحديات المشتركة؛ فلا وقت أنسب من الآن لعقد قمة مشتركة عاجلة حول الأوضاع الجارية، خاصة بعد الإنقسام الذي وقع بسبب التغييرات العنيفة في بعض دول الساحل؛ فالحوار الإقليمي الموضوعي يمثل أداة أساسية لتقريب وجهات النظر، مهما تباعدت المواقف، ولذلك يجب العمل على بناء إستراتيجيات موحدة للتعامل مع الجماعات المتطرفة والتحولات في تحالفات العالم، كما يفتح المجال أمام التفاوض مع القوى السياسية التي تحمل رؤى إصلاحية تسعى إلى بناء الدولة على أسس جديدة، ويتطلب ذلك أيضًا إعادة ترتيب الأولويات، بحيث تتقدم قضايا الأمن والتنمية والعدالة الإجتماعية على الخلافات السياسية الضيقة، بما يسهم في خلق بيئة مواتية للإستقرار.

في خضم هذه التحديات، تظل الأسئلة الكبرى حول السلام والإستقرار والتنمية مطروحة بإلحاح على الساحة السياسية والإعلامية في الساحل الإفريقي، دون إجابات حاسمة حتى الآن، وإنهاء تلك الحروب لا يمكن أن يتحقق دون معالجة جذور الأزمات القائمة، وعلى رأسها ضعف الدولة، وإنتشار السلاح خارج إطارها، وغياب العدالة الإجتماعية، وتهميش قطاعات واسعة من المجتمع، وتزايد شحنات خطاب الكراهية والعنصرية؛ كما أن تحقيق التنمية يتطلب إستثمارات حقيقية في التعليم والصحة والبنية التحتية، وتوفير فرص العمل والإنتاج في الريف والمدينة، ورفع أجور العمال إحتفاءً بمنجزاتهم، خاصة في عيدهم العالمي الذي يأتي في واقع الحروب، إضافة إلى تصميم برامج عملية جاذبة تحد من إنخراط الشباب في الجماعات المسلحة؛ فالطريق نحو باب المستقبل يمر عبر حوار موضوعي وشامل يضم جميع الفاعلين في الدولة والإقليم، ويؤسس لمعاهدات جديدة وعقد إجتماعي جديد يقوم على أفكار المواطنة المتساوية وسيادة القانون والتنمية والعادلة والشاملة، وإدارة المصالح بين الدول، وفي هذا السياق، فإن مسؤولية الإجابة عن كل هذه الأسئلة لا تقع على عاتق الحكومات وحدها، بل هي تمثل مسؤولية جماعية تشمل النخب السياسية والفكرية والإعلامية، ومنظمات المجتمع المدني، والشركاء الإقليميين والدوليين، من أجل صياغة رؤية مشتركة تخرج المنطقة من دوامة الصراع الجارٍ إلى أفق الاستقرار والتنمية المستدامة.

شارك على
Comments (0)
Add Comment