الدولة المكبلة… فمن يمسك بالقيد؟

نكزة : الدولة المكبلة… فمن يمسك بالقيد؟

بقلم : الصادق إسماعيل علي 

منذ اندلاع معركة الكرامة ظل الفريق أول ركن ياسر العطا أحد أكثر القادة العسكريين تعبيراً عما يدور في وجدان الشارع السوداني. وبين الفينة والأخرى يخرج بتصريحات نارية يضع فيها أصبعه على بعض جراح الدولة المزمنة. وآخر تلك التصريحات قوله إنه يشعر بأن الدولة السودانية «مكبلة». وهي عبارة قصيرة، لكنها تفتح الباب لسؤال كبير: من الذي كبّل الدولة، ولماذا لا تزال عاجزة عن التحرر من قيودها رغم ما تحقق من انتصارات ميدانية؟

نعم، الدولة مكبلة يا سعادة الجنرال، ولكن بفعل فاعل.

فقيادتها العليا، رغم تسميتها للأعداء في الداخل والخارج، ما تزال تتردد في معاملتهم معاملة العدو. فالولايات المتحدة وإسرائيل، أصحاب المشروع، والإمارات، المقاول المنفذ بحسب ما يراه كثير من السودانيين، وبعض دول الجوار التي لم تخف عداءها للسودان، ما تزال جميعها بمنأى عن أي ضغط سياسي أو اقتصادي أو دبلوماسي حقيقي يمكن أن يوظفه السودان للدفاع عن مصالحه الوطنية.

أما في الداخل، فلا تزال قوى الحرية والتغيير وبعض واجهاتها السياسية تتحرك بحرية واسعة، بينما يجوب بعض رموزها عواصم العالم يحمّلون الجيش والشعب السوداني أوزار الحرب، وينسبون جرائم المليشيا إلى ضحاياها، دون أن يخشوا مساءلة قانونية أو محاسبة عدلية توازي حجم ما ارتكبوه من أفعال أو مواقف. بل إن بعض المتهمين بالتعاون مع التمرد قبض عليهم ثم عادوا إلى الشارع وكأن شيئاً لم يكن.

وفي المقابل، تبدو الدولة عاجزة كذلك عن التعامل مع صديقها الحقيقي: الشعب السوداني.

فهي تتقدم نحوه خطوة ثم تتراجع عنه خطوات. تستنفره ساعة الحاجة، ثم تتركه يواجه أعباء الحرب وحيداً. تخاطبه بخطاب التعبئة، لكنها لا تمنحه ما يستحقه من شراكة وثقة وتمكين. وكأنها ما تزال تحاول إرضاء أطراف متناقضة في وقت لا يحتمل الوقوف في المنطقة الرمادية، ولا يصلح فيه إمساك العصا من المنتصف.

والدولة مكبلة أيضاً لأنها فشلت حتى الآن في استثمار موارد السودان الهائلة لمصلحة المواطن الذي دفع فاتورة الحرب كاملة. فبين نازح ولاجئ ومفصول عن عمله ومواطن أنهكته الأزمات المعيشية، لا يجد الناس أثراً ملموساً لهذه الموارد. بينما تتسع دائرة الرسوم والجبايات حتى بات المواطن يشعر أن ما تفعله بعض مؤسسات الدولة به لا يختلف كثيراً عما فعلته به المليشيا، إلا أن الأول يتم بقوة القانون والثاني بقوة السلاح.

والدولة مكبلة لأنها لم تنجح بعد في حشد كل طاقات المجتمع خلف مشروع وطني جامع. فما يزال كثير من أصحاب الكفاءة والخبرة والولاء الحقيقي للوطن بعيدين عن مواقع التأثير، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى كل يد تبني، وكل عقل يخطط، وكل صوت يساند معركة البقاء وإعادة الإعمار.

والدولة مكبلة لأنها لم تستخدم حتى الآن ما تملكه من أوراق قوة سياسية واقتصادية وجغرافية لردع بعض دول الجوار عن مجرد التفكير في الإضرار بالسودان أو التدخل في شؤونه.

لهذا كله، فإن حديث الجنرال ياسر العطا عن دولة مكبلة ليس حديثاً بعيداً عن الواقع، بل هو توصيف يلامس جانباً مهماً من الحقيقة. غير أن المشكلة لم تعد في تشخيص المرض، فالسودانيون يعرفونه جيداً، وإنما في امتلاك الإرادة اللازمة للعلاج.

يا سعادة الجنرال، لا تشكُ لنا من القيود التي تكبل الدولة، فأنتم اليوم تملكون القرار والسلاح والنفوذ، ومن خلفكم شعب قدم الأرواح والأموال وكل ما يملك دفاعاً عن وطنه. والسؤال الذي ينتظر الناس إجابته ليس: من الذي كبّل الدولة؟ بل: متى تقطع الدولة هذه القيود؟

فالبنيان لا يبلغ تمامه إذا كان فريق يبني، وفريق آخر يهدم. ومن لا يحسم معركة الهدم اليوم، قد يجد نفسه غداً أول ضحاياها.

دمتم : آمنين …. سالمين …. تآمين …. لامين.

شارك على
Comments (0)
Add Comment