الخرطوم تضبط إيقاعها وتعزف سيمفونية النصر
بقلم: م. محمد أحمد النور
الخرطوم.. العاصمة التي تئن بصمت الجريحة، الغائر جرحها، المنفطر قلبها، المثقوبة رئتها، تتنهد وتزفر حمماً ملتهبة. تنزف إهمالاً طالها وتسبب في تقاعسها عن أداء دورها النهضوي التنموي. عبث العابثون ببيئتها، وأجرم المجرمون بأمنها، حتى طالتها يد “الترييف” القسري التي جردتها من مدنيتها وانضباطها الحضري، وحولتها إلى ساحة للعشوائية وضياع الهوية.
لقد استأسد الباطل وتوحش وقويت شوكته، وأفسد الفاسدون أرضها؛ قطعوا أشجارها، دمروا غاباتها، لوثوا هواءها وماءها، وشوهوا حاضرها وملامح مستقبلها. غُيِّب القانون وفقدت الدولة بسط هيبتها، وبالرغم من القوانين المسانة والتشريعات المشرعة، أعطبت عجلة التنمية فتقزم وتقوقع دورها الريادي، بل هوت نحو القاع. وبغياب الضابط والرادع، عجز الإصلاح والإصلاحيون عن إيقاف التردي المتسارع نحو الهاوية، فأذعن الحق وخضع مكبلاً لا يقوى على مجابهة الباطل. لسنوات عديدة، افتقرت العاصمة لمعايير تؤهلها لتكون ضمن القوائم المتقدمة؛ من ضبط للسلوك العام، وحفاظ على البيئة، وتجريم التعدي على الحق العام.
فكانت “حرب الكرامة” نقطة مفصلية لما بعدها؛ استنهضت الهمم واستنفرت الطاقات وحشدت الإمكانيات. فمنذ اليوم الأول للانتصار، باشرت الولاية عبر جهات الاختصاص، مسنودة بالدعم الشعبي، بالدعوة للمشاركة في البناء والإعمار. بدأت عمليات تهيئة البيئة، وإزالة التعديات، وتنظيم الأسواق، ومحاربة الظواهر السالبة وأوكار الجريمة.
وهنا برزت الضرورة القصوى لحسم ملف “الوجود الأجنبي غير المقنن”؛ تلك الظاهرة التي استنزفت الموارد وهددت النسيج الأمني والمجتمعي. إن ضبط الوجود الأجنبي وإخضاعه لسلطان القانون ليس مجرد إجراء إداري، بل هو معركة سيادية لتنقية العاصمة من كل ما يشوه هويتها أو يهدد سلامة مواطنيها، ليكون البقاء لمن يحترم تراب هذا الوطن وقوانينه.
إن هذه الخطوات هي مؤشرات إيجابية محمودة، ولكن لكي لا يصبح كل ما ذُكر هباءً منثوراً، فلابد من ضابط يراقب ويضمن الديمومة. فالعالم اليوم يستشرف عصر “التحول الرقمي”، والخرطوم أحوج ما تكون لهذا التحول، ليكون التطور التقني درعاً واقياً يحسم الجدل بين الحق والباطل، ويقطع دابر البيروقراطية والفساد بوضوح وشفافية؛ لضمان تنمية مستدامة بقانون رادع يحمي أمن وصحة المواطن وبيئته، ويضبط حركة الدخول والإقامة بدقة متناهية.
إن النصر الذي تحقق جاء بتضحيات وبطولات الأبطال، والخرطوم بعد الحرب يجب أن تكون أكثر انضباطاً لتصبح المنارة التي ترشد التائهين. إن معركتنا القادمة هي استرداد “مدنية” العاصمة ومحاربة مظاهر الترييف السلوكي والعمراني، ومع بناء ما دمره الرصاص، علينا ترميم النفوس ورتق نسيجنا الاجتماعي، فالمدينة روحٌ قبل أن تكون مبانٍ. الخرطوم القادمة يجب أن تستعيد هويتها المعمارية العريقة وتمزجها بملامح الحداثة، لتقوم من بين الركام مدينةً ذكية، شابة بابتكارات بنيها، وعميقة بجذورها النيلية.
ختاماً، على كل مواطن تفعيل “القانون الداخلي” الذي بين جنبيه؛ يساهم في إعمار مدينته وتنميتها، يمتثل للقانون ويحترمه، يعرف ما له وما عليه تجاه وطننا، فالأمن مسؤوليتنا جميعاً. بتفعيل القانون، تضبط الخرطوم إيقاعها وتعزف سيمفونية النصر، وتأخذ موقعها الريادي المستحق على خارطة العالم.
إن سيمفونية النصر لن تكتمل ألحانها إلا ببعث الروح في إنسان الخرطوم أولاً، واستنهاض عبقريته في تطويع التكنولوجيا لرسم وجهٍ جديد للمدينة؛ وجهٌ يجمع بين صمود النيل وعصرنة الرقمنة، لتكون الخرطوم “الذكية” هي الرد الأمثل على كل من أراد إعادتها لعصور الظلام.
معاً لتفعيل القوانين… معاً لتفعيل الجهاز الرقابي… معاً حتى النصر بعونه تعالى.