سوداننا فوق … بقلم: أبو القاسم سيف الدين .. الثورة خيار الشعب .. حرية .. سلام وعدالة
سوداننا فوق … بقلم: أبو القاسم سيف الدين .. الثورة خيار الشعب .. حرية .. سلام وعدالة
ما أجمل وأحلى هذه العبارات وهي، “شعارات ترددها القلوب”، إمتزجت في ملحمة رائعة من إيقاعات الطبول والمزاامير بهتافات حناجر الشبان والشابات وزغاريد الأمهات وهدير الآباء وترنيمات الأطفال، من كل مدينة وقرية وبادية بالسودان. تنادي: “سوداننا فوق”، سوداننا الذي فيه “إلتقى جيل البطولات بجيل التضحيات”، هو فوق أحلام الدكتاتورية المريضة وفوق مؤامرات اللصوص وقطاع الطرق وسارقي إرادة الشعب. خرجت الجماهير في 30 يونيو، مثل ما خرجت في ديسمبر 2018، ومرات ومرات قبل ذلك، تنشد الحكم المدني، الذي نشلته الطائفية السياسية وقوى القمع العسكري زهاء 65 سنة من عمر البلاد بعد إستعادة حريته الغالية من الإستعمار بالنضال السلمي. باتت تلك القوى الغاشمة تتداول الحكم، مثل كرة القدم، ناسية تماما أن للشعب مطالب أساسية في المعيشة والخدمات والتنمية والتي عبر عنها في ثوراته السلمية في أكتوبر 1964 وفي إبريل 1985 وأخيرا في دديسمبر 2018. لجأ الشعب إلى الثورة السلمية، خياره الأقوى وسلاحه الأمضى لدحر الدكتاتورية وهيمنة الكهنوت. ثار الشعب من أجل الحرية واديمقراطيةوالإستقرار، ولم يخرج إلى الشارع لإستبدال الدكتاتورية بأخرى أسوأ منها.
عندما قام العميد/حسن حسين عثمان بإنقلابه العسكري على جعفر النميري، عام 1975، علق السيد/حسن قرين، (عليه الرحمة)، محافظ مديرية (م) وأحد أقرباء قائد الإنقلاب، وصاحب الخبرة الطويلة في مضمار الإدارة والحكم، بأن كلا الرجلين عسكري، وأن النميري أمضى ست سنوات آنذاك في الحكم حتى تعلم مخاطبة الجماهير وتعرف على إححتياجاتها ومطالبها، وأن حسن حسين سوف يمضي زمنا مماثلا قبل أن يبلغ تلك المرحلة، حتى يتحسس خطاه في كيفية حكم البلاد، مما يعني إهدار إثني عشرة سنة من عمر السودان هباءا والدخول في مدرسة السياسة من جديد. ثم أردف قائلا إن “الحكم مش لعب”، حسب تعبيره، ولا يمكن ممارسته بإصدار الأوامر أو التعليمات، كما هو متبع في الجيوش، ولكن بمعرفة طبيعة البلاد والتركيب الإجتماعي للمواطنين وعاداتهم وتقاليدهم وسبل كسب عيشهم، ثم تفقدهم في ديارهم لكي يطمئنوا أن الحاكم على علم بأحوالهم ومطالبهم، الأمر الذي لن يستطيع القيام به العسكر، وذلك للإختلاف بين الجندية والحياة المدنية.
لقد مر السودان بعد الإستقلال بتجارب مريرة من القمع والإرهاب ونهب الثروات إبان حكم العسكر الذي دام في مجمله 53 سنة، والشعب يتساءل “من أين أتى هؤلاء ؟”. إتسم ذلك الحكم بمحاولات عديدة من العسكر أنفسهم لإقتلاع السلطة من الحاكم العسكري القابض على السلطة. فقد جرت محاولتان من الإنقلاب خلال حكم الفريق إبراهيم عبود، 1958- 1964، أحدهما بقيادة العميد/علي حامد والثانية بقيادة العقيدين شنان ومحي الدين، إستطاع عبود إخمادهما ومعاقبة الإنقلابيين. وقامت ثلاث محاولات إنقلاب في عهد المشير/جعفر النميري، 1969- 1985، للإطاحة به، أحدهما بقيادة العميد/حسن حسين عثمان والأخرى بقيادة العميد/محمد نور سعد والثالثة بقيادة الرائد هاشم العطا. أما في عهد المشير/عمر حسن أحمد البشير، 1989- 2018، فيشاع أن عددا من محاولات الإنقلاب قد تمت وأحبطت قبل وصول أخبارها إلى الشارع. غير أن الإنقلاب الذي عرف كان إنقلاب رمضان الذي تمكن البشير من السيطرة عليه وحكم على 28 من الضباط الذين دبروا تلك لحركة بالإعدام، كما أعدم أوسجن الذين حاولوا من قبل. أما بعد إندلاع ثورة الشعب في ديسمبر 2018، فقد إستولى العسكر على السلطة عنوة بإسم المجلس العسكري. ورغم وعود المجلس المتكررة وإصرار قوى الثورة المدنية ومناشدات المجتمع الدولي بتسليم السلطة إلى حكومة مدنية، ما زال العسكر متمسكين بزمام الأمر. وتدل كل تلك الإنقلابات على أن العسكر في السودان مرضى بالسلطة، لا يريدون فكاكها، حتى إذا تطلب ذلك سفك دماء المواطنين.
وأزاء الوضع الحالي المأزوم، يبرزالسؤال عما يريده المجلس العسكري من التمسك بالسلطة، فإن كان الهدف هو إصلاح الأحوال التي أفسدها النظام المباد، فذلك ما قامت الثورة من أجله. أما إذا كان المجلس يدخر شيئا آخر يريد القيام به من أجل رفاهية الشعب، فذلك سر لم تتوصل إليه مدارك الشعب، حتى اللحظة. ويعلم جنرالات المجلس العسكرب يقينا أن أسلافهم، بمختلف الرتب الرفيعة، قد أهلكوا البلاد ومزقوا نسيجها الإجتماعي ثم إنهالوا على الإقتصاد بالسرقة والتخريب، حتى رموا به فى الدرك السحيق الذي يتعذر إصلاحه. وفوق ذلك، يبرز السؤال عن كيف يمكن لنظام دكتاتوري متخلف، عفا عليه الزمن وإختفى من قواميس السياسة في كل الدنيا، يعتمد على القوة والإرهاب والكهنوت، أن يحكم جموع الشعب التي تدثرت بالعلم والمعرفة وحب الوطن فأشعلت الثورة، لا لعودة النظام القمعي العتيق المباد، ولكن لبناء سودان جديد، مبني على أسس الحرية والعدالة والسلام، وليس على تسويف مطالب المواطنين وقتلهم في مجزرة وبدم بارد. إن الشعب السوداني لم يقلل طوال حياته من أهمية وقدرات الجيش في مجالات كثيرة، كما ويكن له كل الإحترام، ولم يقدم أحد بالإساءة إليه، كما إدعى الناطق بإسم المجلس العسكري. غير أن الشعب يريد ألا يتدخل الجيش في أمور الحكم، لأن ذلك في نظر المواطن، حصر على القوى المدنية صاحبة السلطة والموارد دون منازع.
ورد في تقرير “مركز خدمات الأمن الإستشارية” عن شهر مايو 2019، أن البرهان وحميدتي وكباشي يسيطرون على السلطة ويهمشون الجنرالات الآخرين، وأن قوات الجيش والجنجويد، تحت إمرتهم، تتعقب نشطاء قوى الثورة في مدينة بحري فتقتلهم. رصد المركز أيضا أن المجزرة قد تم تنفيذها بواسطة قوات الدعم السريع، (الجنجويد)، وأن بعض الجثث ربطت حجارة في أرجلها بقصد إغراقها. وقد سبق قتل أكثر من 100 متظاهر في مواقع متفرقة خلال الأسابيع التي سبقت المجزرة، مما يشبه السيناريو الذي أتبع في مجزرة رابعة العدوية في القاهرة حيث تم قتل 800 متظاهر مصري في أغسطس 2013، وبالمثل، تقتل قوات الدعم السريع المواطنين في شوارع وأزقة السودان بينما يتفرج المجلس العسكري على الأحاث والتي وصفها رئيسه البرهان بأنها “غريبة”. ورغم ذلك، توالت جرائم القتل حتى بلغت قمتها بالمجزرة في 3/6/2019، لتنتشر قوات الدعم السريع بعد ذلك في كل أرجاء العاصمة، لإرهاب المواطنين في الأحياء. وذكر المركز أن أعمال القتل تلك قد تمت بدعم مالي سخي من السعودية والأمارات العربية المتحدة، للحفاظ على 8- 14 ألف مقاتل جنجويد في اليمن، وبالسلاح من مصر، لخوف السلطات المصرية من تسرب الإخوان المسلمين عبر الحدود، ومن قيام حكومة ديمقراطية في السودان والتي قد تهدد الحكومة القمعية في القاهرة. وفي خضم هذه الأحداث هرب كبار المجرمين من السودان، ومنهم صلاح قوش، مهندس الإبادة الجماعية والفظائع الأخرى في دارفور.
بلغت حصيلة السودان خلال ما يقرب من ستة عقود من حكم العسكر إنهيار الدولة وتلاشي هيبتها، بحيث أصبحت سرقة موارد الدولة مدعاة للتفاخر بين اللصوص، يعيثون في الأرض فسادا، وغابت مطالب الشعب بعيدا عن إهتماماتهم. إستولى اللصوص على موارد الشعب، فشيدوا القصور المنيفة وإقتنوا من الزيجات مثنى وثلاث ورباع وأنشأوا المزارع الفسيحة للراحة والإستجمام، ثم يهرولون إلى الخارج بأسرهم الضخمة للإستمتاع بما سرقوا أوالإستشفاء من الزكام والحمى. وفي ذات الوقت يظل الشعب يلهث وراء لقمة العيش ويبحث عن الدواء من أمراضه الكثيرة ويتشرد أطفاله في الشوارع، لا يجدون مدرسة أو مصدرا للعيش الكريم. أما نظم الإنتاج ودوافع الأمن والإستقرار فقد طالها الإهمال، إلى المدى الذي أجبر سكان الريف على الهجرة، ليكتظوا في أحياء الكرتون في المدن، أو يصيرون طعاما للحيتان في البحر الأبيض المتوسط في طريقهم إلى أوربا، بحثا عن الطعام والحفاظ على أرواحهم. فبعد أن كان المواطن سيدا في قريته أو باديته، يرفد السوق بإنتاجه المتنوع، تحول مضطرا إلى متسول أو مرتاد الجريمة، تحت ظروف الإقتصاد المنهار نتيجة لسياسات العسكر الهوجاء.
![]()