خواطر طبيب … بقلم: علي بلدو .. البسطاء
خواطر طبيب … بقلم: علي بلدو .. البسطاء
فتحت باب المنزل على وقع طرق حاد و قوي ’ شعرت معه ان هناك مصيبة قد حدثت جعلت ذلك الطارق ينسى الجرس ذو صوت الغصافير ليرهبنا بذلك القرع المزعج و ما ان انزاح الباب الا و رايت امامي شيخا قد تجاوز الثمانين بقليل على ما يبدو و هذا قد فسر ضعف سمعه لما يطرق:
ان الثمانين و قد بلغتها قد احوجت سمعي الى ترجمان
(يا جنى’ بتعرف بيت ناس البلة ود ابو حريك)
فاجاني بهذا السؤال و هو يتكئ على عصاة ضخمة له فيها مارب شتى, و يمسك بها بيديه المعروقتين و اللتين تبينان انه من ذلك النوع الذي ياكل من عرق جبينه في المزارع و الارض البكر قبل ان تشاركه في ذلك العرق الجبايات و الاتاوات و حتى النفايات!
بدا التعب ووعثاء السفر و طول الطريق باديا عليه فطلبت منه الدخول فاستجاب بعد الحاح و هو يقول( بس كوز موية بارد)
اعطيته ما طلب و ساءلت نفسي هل ما حل بهذا الشيخ سببه طول الطريق ام ظروف الحياة , ام لعله الكوز الذي بيده و يحاول ان يطفئ به عطشه و نشاف ريقه و الذي لا اظن ان كيزان الارض كلها ستنجح في ذلك.
مددت له زجاجة مياه غازية , تناولها و هو يهمهم( حلوة الا بس حلاوتها حااارة)
قبل ان يخبرني انه جاء طلبا للعلاج من داء الم به و انه لولا ان المرض قد ( عصرني شديد) ما كان جاء البندر باحثا عن قرييبه ريثما يكمل علاجه.
سالته عن اسمه فاجابني انها المرة الاولى منذ زمن بعيد يساله احد ذلك السؤال حيث انه ظل معروفا في الفريق و على طول الوادي بل انه اخبرني انه قبل سنوات زارهم في منطقتهم النائية الرئيس نميري و انه حياه يدا بيد قبل ان يسالني ففي براءة:
( و الله كان زولا كويس , الا طول ما جانا تاني , خبرو شنو و انشاء الله ما جاتو عوجة)
لم ابالي بالرد عملا بقول الشاعر:
و ما تركي عتابك عن قلى و لكن لعلمي انه غير نافعي
و قارنت عندها بحال هذا الشيخ و حالة ذياك الشيخ و الذى القى بنا في غياهب الجب و لم نجد من السيارة من يخرجنا بدراهمم معدودات و لو حتى مجاني, و ايضا بتلك الشيخة و التى تحاول اقناعنا انها و اباها الشيخ ايضا هم من رحمة السماء بنا و انهم قدرنا المقدور و اننا قد اعطينا لهم حقا الهيا خالصا , متمثلة قول من قال:
ايها الناس سلاما و سلاما
و ابشروا من كلامي بالكلاما
فلقد وليت علييكم
انا و بناتي و ابنائي
من الان و الى يوم القيامة
حكى لي كيف انه يعيش من ارضه و لا يشتري سوى السكر و الشاي فقط، و كيف انه لم يمرض في حياته مرضا شديدا سوى هذه المرة و لم يسمع بالتطعيم و لا التحصين , رغم اصراره الشديد انو ( قاعد يتحصن كلو ييوم)
سرد لي كيف تبدو البادية و الضهاري و ان الرجل بيمسكوا من كلامو و لسانو و ليس من الورق و هذا في بيان لكونه لم يحصل على رقم وطني و لا بطاقة و تامين صحي و لا حتى جنسية او شهادة ميلاد:
( شهادة ميلاد لي شنو)
لم اشا ان احكي له عن الصراف الالي و الاورنيك الالكتروني و نقاط البيع و الواتس اب , و لم اخبره عن القنوات و الاذاعات الكثيرة و التي لم يسمع منها الا هنا امدرمان:
(مرة مرة لما تكون الحجارة في) كما قال .
ودعني و انا اصف له بعض الاماكن التي قد يجد فيها مبتغاه, ووعدني هو بالقدوم لوداعي قبل سفره ( لو ربنا طلق) و خرج و لم يعد حتى الان و اوصافه نعرفها كلنا بل لعلها اوصافنا.
(الجريدة)
![]()