آخر الأخبار
The news is by your side.

غوصا في سنام الذاكرة

غوصا في سنام الذاكرة

بقلم: جعفر عباس

لست ممن ينظرون الى سنوات عمرهم الباكر برومانسية، ولكنني لا أصفها بالزمن القبيح، هي فقط كانت زماننا بمعطياته الخاصة، وكما يفرح جيل الشباب بالهاتف الذكي والانترنت وتعدد القنوات التلفزيونية، فقد كان فرحنا أضعافا مضاعفة بالجلوس أمام الراديو، ثم جاء الصندوق السحري الذي كان ينقل صور بشر وكائنات حية متحركة مصحوبة بالأصوات، وكنت في صباي أضع القرش على القرش حتى يتسنى لي عبور النهر من بدين الى كرمة لركوب اللوري لعشر دقائق نظير خمسة قروش، ثم تناول وجبة في مطعم للاستمتاع ب”حلاوة رغيف”.

لم يكن هناك شيء من حولنا يعمل بالضغط على زر، وكان تدبير أمور العيش يتطلب جهدا جسمانيا وعقليا، وكان اللعب أيضا يتطلب الركض والعرق واللهاث، كنا نسير الى ومن المدارس سيرا على الأقدام، وفور أداء الواجبات المدرسية كنا ننطلق في الشوارع والأزقة نلهو ونلعب، ولم تكن هناك فواصل بين البنات والأولاد حتى ما بعد سن العاشرة بقليل، ولم يكن هناك تحرش او ايدز او التهاب كبد وبائي أو دعم سريع او بطيء، وكنا نلعب بالطين ونصنع أشياء من قطع الملابس القديمة، فقد كنا جميعا نتقن استخدام الإبرة والخيط، وكنا نتسلل الى النهر لنسبح ثم نتمسح بالتراب حتى لا نتعرض للعقاب حتى لا يكتشف أهلينا أننا كنا نسبح في مواسم بداية الفيضان، او في وقت تم فيه اكتشاف تماسيح في المنطقة.

ولم يكن فينا من يبقى خارج السرير بعد التاسعة مساء، والآباء والأمهات الخواجات يقرأون لصغارهم بعض القصص لمساعدتهم على النوم، وكذلك كان يفعل أهلنا ولكن برواية القصص شفهيا من الذاكرة، وكانت لنا جارة من تلميذات الفرد هيتشكوك مخرج أفلام الرعب الأشهر فقد كانت معظم حكاويها عن الجن والغول و”السحار”، وكنا نستمع اليها ونحن نرتجف ومع هذا كنا نطلب منها المزيد، ثم نقرأ ما تيسر من قصار سور القرآن وننام.

نشأنا في بيئات يغمرها الحب، فقد كنا محاطين بالأهل على مدار اليوم، ولم نكن نعرف ان هناك روابط معينة تجعل من الشخص خالا او خالة او عمّا او عمّة، فقد كان جميع كبار الس من حولنا “أبو ننقا/ عم، أنج/ عمة، أنقي/ خال، أنين بس/ خالة”، وكان لكل صبي وصبية في بدين زير قديم يضع فيه حصته من التمر، فعند حصاد التمر كان واجبا على كل أصحاب التمور توزيع كميات من التمر على الصغار بمسمى كرامة.

كان النجاح في المدرسة بالحافز الذاتي بمعنى أنه لم يكن هناك في أي بيت تقريبا من يسأل صغاره عن الواجب المدرسي لأن جيل الآباء والأمهات وقتها كان أميَّاً مع سبق الإصرار والترصد: إذا نجحت تنجح لنفسك وإذا فشلت تشيل شيلتك وطوريتك، وكان الطفل ومنذ نحو سن العاشرة مبرمجا كي يتعلم أصول فتل الحبال وتشغيل مضخة المياه (الطلمبة) اليدوية وحش القش/ العلف لأنه كان لكل بيت زريبة أغنام، وكنت في تلك السن أملك مهارات توليد الأغنام وحلب اللبن.

ما أذكره جيدا وأنا أتابع حال بلدي اليوم هو أننا كنا نتناول الوجبات الثلاث بانتظام، وما بينها كان هناك التمر او البليلة، وكان طعامنا يطبخ على نار هادئة فيأتي شهيا وكنا نأكل جلوسا لأن وجبات ع الماشي لم تكن قد ظهرت بعد، وكانت أبواب بيوتنا مفتوحة معظم ساعات اليوم وقد يتم إغلاقها فقط خوفا من تسلل الأغنام السائبة وليس خوفا من لصوص، وحتى عندما انتقلت الى المدينة كانت روح أهل الريف سائدة بين سكانها وكان كبار السن فيها والذين قد لا نعرف أسماءهم يتولون إرشادنا الى الأمور الصواب وينهونا عن الغلط.

ولا شك في أن جوانب كثيرة من حياتنا كانت حلوة رغم أو ربما بسبب بساطتها، واليوم صارت أمور اللعب وإعداد الطعام سهلة ولكن الحياة برمتها صعبة فقد انعدم الطعام بالنسبة لكثيرين وانعدم الأمان بالنسبة للجميع وليسقط البرهان وحميدتي ومن شايعهم.

Loading

شارك على
أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.