زاوية منفرجة … بقلم: جعفر عباس .. عودة الى ماضي الذكريات
زاوية منفرجة … بقلم: جعفر عباس .. عودة الى ماضي الذكريات
النوبيون من المحس والدناقلة أول من “اكتشف” السعودية، أي اول من هاجر اليها، وكان المغترب في السعودية يسمى “جداوي” نسبة الى مدينة جدة، وعندما حصلت على وظيفة في شركة أرامكو السعودية في الظهران قالت أمي: إن شاللا (إن شاء الله) ستجد وظيفة في جدة قريبا!! وعندما تركت الظهران الى قطر والأمارات، اقتنعت أمي بأنني لن انجح في “تكوين نفسي” لأنني لم أجد فرصة عمل في جدة، ولكن معظم أهل بدين اختاروا “الاغتراب” في السودان (كنا نقول عن المسافر جنوبا انه ذاهب الى السودان، والمسافر شمالا انه ذاهب الى “بر مصر”)
عرفت بدين المشاريع الزراعية الحديثة القائمة على المضخات التي تعمل بمشتقات البترول منذ أواخر الأربعينات، ولا يجوز الحديث عن مسيرة بدين دون الحديث عن “موسليني”، واسمه الأصلي محمد عثمان فقير علي، ولعل اسم موسليني التصق به في الأربعينات عندما ذاع ذكر ديكتاتور ايطاليا بينيتو موسليني (الدوتشي)، وربما ربط الناس بينه وموسليني الأصلي لأن كليهما كان ذا قدرات خطابية عالية، وقد كان عمي موسليني فصيح اللسان بالعربية والنوبية، وينتمي الى أقلية تعرف القراءة والكتابة، وكان مؤمنا بأهمية التعليم النظامي ولهذا بنى في بيته ملحقا من بضع حجرات جعل منها شيئا ما بين الخلوة والروضة الحديثة، يدرس فيها الصغار مبادئ القراءة والكتابة والحساب، وكان على كل طفل ان يمسح التراب الذي أمامه ليكتب بأصابعه عليه، وكان موسليني يستعين احيانا بصبية شاطرين ليساعدوه في شؤون التدريس، وكان أحد اولئك المعاونين متغطرسا وعنيفا وذات يوم قال لهم اكتبوا كلمة أسد، فكتب أحدهم كلمة عسل، ونال كذا ضربة، ثم مسح المعلم الصغير رقعة الأرض التي أمام التلميذ الذي لا يميز بين الأسد والعسل، ليكتب الكلمة على النحو الصحيح،.. وفوجئ الصغار به وهو يصرخ من الألم!! وما حدث هو أن ذلك التلميذ الشقي كان قد قرر ان يعاقب المعلم الصغير على غطرسته، فأتى بشرك (فخ) طيور ودفنه أمامه، بعد ان ربطه الى خيط/ تكة سرواله، وتعمد كتابة كلمة “أسد” خطأ، وهكذا انطبق الشرك بقوة على يد المعلم الصغير وهو يمسح التراب الذي دُفن فيه الشرك، فكان صراخه، ولم يكن من سبيل امام الطفل الشقي سوى الهرب، ولكن الشرك الذي كان مربوطا بسرواله كان مطبقا بقوة على يد المعلم فلم يجد الطفل مناصا من أن يملص سرواله ويتركه معلقا في يد المعلم مع الشرك.
كان عمي موسليني، فارس العمل التعاوني في مشيختنا (توشي)، وكانت بدين مقسمة إلى أربع مشيخات (شبة وتوشي وسقدان وسلنارتي التي تسمى أيضا وابيّه) وعموديتين، وكان عمدة سقدان “يحكم” قرى وبلدات البر الشرقي، بينما كان عمدة توشي وشبة يحكم مناطق شاسعة في البر الغربي لجزيرتنا، وهذا يعطيك فكرة عن ضخامة مساحة بدين، ومكانتها في المنطقة، وما من مشروع زراعي أو طاحونة او دكان تعاوني قام على مدى نصف قرن، إلا وكان موسليني من يجمع المساهمات ويسافر لشراء المعدات ويغشى المكاتب الحكومية للحصول على التراخيص الخاصة به، وكان أيضا خطيباً وإمام “جمعة”، وكان لديه كتاب نجا من طوفان نوح يضم نحو خمس خطب نشف بها ريقنا على مدى عشرات السنين، وكان الكتاب مهلهلا من كثرة الاستخدام، وذات جمعة كان يهدر بالخطبة الأولى في المسجد فتساقطت بضع وريقات فجمع شتاتها، ولأنها لم تكن مرقمة فقد عجز عن ترتيب الصفحات على النحو الصحيح فقال: “كنج أنن بوب الق إلي (حظكم زي وشكم) يللا أقم الصلاة!! كان رحمه الله صاحب دعابة وضحكة مجلجلة، ويُضحِك غيره وهو يلقي المواعظ الدينية، وذات مرة خاطب حلقة من الرجال بقوله ان تحية النساء “من طرف” بالأحضان والمصافحة باليد حرام! فقال له أحدهم: لقد ظللنا نفعل ذلك طوال عمرنا فلماذا لم تخبرنا بحرمته من قبل، وأنت شيخنا وكبيرنا؟ فقال موسليني: أيقُن إليلن أُكِّس.. وأنا لم أسمع بهذا الأمر إلا مؤخرا.
مثل مرة أمام القاضي في مدينة دنقلا، وأثناء المداولات قام محامي الطرف الآخر بمخاطبة القاضي أكثر من مرة بالإنجليزية، فلما جاء الدور على موسليني بدأ يتكلم باللغة النوبية، فصاح فيه القاضي: شنو ده يا حاج؟ تكلم بلغة مفهومة!! فرد موسليني: لما المحامي يتكلم بلغة مفهومة!! فضحك القاضي ومنع المحامي من استخدام المفردات الإنجليزية.
![]()