آخر الأخبار
The news is by your side.

القارة الإفريقية: نحو رؤية موحدة للفكاك من مصائد الإستعمار الجديد

القارة الإفريقية: نحو رؤية موحدة للفكاك من مصائد الإستعمار الجديد

بقلم: سعد محمد عبدالله

عرفت القارة الإفريقية تحولات سياسية وإقتصادية متسارعة فرضتها طبيعة الصراع الدولي على الموارد والأسواق وممرات النفوذ، وكما ذكرنا آنفًا، فقد أعاد هذا الواقع إلى الواجهة سؤال التحرر من الإستعمار الجديد، الذي لم يعد يعتمد على الإحتلال العسكري المباشر كما كان مألوفًا في الماضي، بل أصبح يتخفى خلف واجهات التمويل الدولي، والمساعدات الإنسانية، والمشاريع التنموية، والشراكات الإقتصادية غير المتكافئة؛ فالدول الكبرى تسعى بصورة متواصلة إلى تثبيت نفوذها داخل إفريقيا عبر أدوات أكثر نعومة وأقل تكلفة وأشد خطورة، من بينها الشركات العابرة للقارات، والمؤسسات المالية الدولية، وحياكة إتفاقيات الإستثمار طويلة الأجل التي تمنح تلك القوى سيطرة فعلية على الثروات المعدنية والزراعية والبترولية الهائلة التي تزخر بها دول القارة، وفي خضم هذا المشهد الملبد بغيوم كثيفة تكاد تحجب الأبصار عن رؤية حقائقه، تجد الحكومات الإفريقية نفسها أمام معادلة معقدة للغاية، تجمع في طياتها بين الحاجة إلى التمويل والتنمية من جهة، والخوف من الوقوع في فخ الإستلاب الإقتصادي والسياسي من جهة أخرى، خاصة في ظل هشاشة البنى الإقتصادية، وضعف المؤسسات الرقابية، وإنتشار الفساد الإداري والمالي؛ فالصراعات الداخلية، والحروب الأهلية، والإنقسامات السياسية، تمثل بيئة خصبة لتغلغل المشاريع الأجنبية التي تستثمر في حالة الضعف وعدم الإستقرار لتأمين مصالحها الإستراتيجية، ولعل أخطر ما يميز هذه المرحلة أن التنافس الدولي على إفريقيا أصبح أكثر شراسة ووضوحًا من ذي قبل، إذ تتسابق الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والصين وفرنسا ودول أخرى لعقد إتفاقيات أمنية وإقتصادية مع الحكومات الإفريقية، مستفيدة من حاجة تلك الدول إلى التكنولوجيا، والدعم العسكري، والإستثمارات؛ إلا أن هذا التنافس، رغم ما قد يوفره من فرص للأفارقة، يحمل في جوهره مخاطر كبيرة إذا لم تمتلك الدول الإفريقية رؤية موحدة وإستراتيجية واضحة تحفظ أمنها وسيادتها، وتضمن توظيف مواردها بشكل جيد لصالح شعوبها لا لصالح القوى الخارجية، ولذلك أصبح من الضروري أن تدرك التنظيمات السياسية الإفريقية أن معركة التحرر الحديثة لا تُخاض بالسلاح فقط، بل تُخاض أيضًا عبر بناء أعمدة السلام والحرية، وإقتصاد وطني قوي، وتعزيز إستقلال القرار السياسي، وإقامة شراكات متوازنة قائمة على المصالح المشتركة لا على الإستبداد والإملاءات، إضافة إلى ضرورة الإستثمار في التعليم، والبحث العلمي، والتنمية البشرية بوصفها أدوات أساسية لتحقيق الإستقلال الحقيقي وصناعة مستقبل إفريقي أكثر إستقرارًا وعدالة.

هذا الإتجاه، يحتم علينا التوقف عند مواقف بعض الحكومات الإفريقية التي بدأت تعبر بصورة متزايدة عن رغبتها في التحرر من الضغوط الدولية ورفض الخضوع الكامل للإملاءات الخارجية، وهو ما يعكس إتساع رقعة الآمال وتنامي الوعي بخطورة إستمرار الإرتهان السياسي والإقتصادي للقوى الكبرى، ويُعد موقف السودان من أبرز النماذج التي تكشف حجم التحديات التي تواجه الدول الإفريقية الساعية إلى الحفاظ على إستقلال قرارها الوطني، إذ رفضت الحكومة السودانية الإنصياع لمشاريع الهيمنة، رغم ما تواجهه البلاد من حرب مدمرة تقودها مليشيا الدعم السريع الإرهابية المدعومة من جهات خارجية تسعى إلى فرض واقع سياسي يخدم مصالحها في المنطقة، وقد أظهرت هذه الحرب كيف أصبحت بعض القوى الدولية والإقليمية تستخدم النزاعات الداخلية وسيلة لإعادة تشكيل الأنظمة السياسية وفرض الأجندات بما يتوافق مع أهدافها الإقتصادية والإستراتيجية تحت أقنعة تُستخدم حسب الحاجة، خصوصًا في الدول الغنية بالموارد الطبيعية والموقع الجغرافي المهم على الخارطة، وفي المقابل، بدأت دول إفريقية أخرى، مثل زيمبابوي وغانا وزامبيا، تعبر بدرجات متفاوتة عن رفضها لبعض الإتفاقيات التي تربط المساعدات، أو الأدوية، أو القروض، بالتنازل عن الموارد السيادية، وهي خطوة وإن بدت محدودة فإنها تعكس بداية تشكل وعي سياسي جديد داخل القارة؛ كما أن توجه عدد من الحكومات الإفريقية نحو بناء شراكات مع الصين وروسيا يأتي في إطار محاولة تنويع العلاقات الدولية والخروج من دائرة النفوذ الأُحادي الذي ظل يهيمن على إفريقيا لعقود طويلة، ولكن نجاح هذه التوجهات يظل مرتبطًا بقدرة الدول الإفريقية على إحكام إدارة علاقاتها الخارجية بوعي إستراتيجي يمنع إستبدال تبعية بأخرى؛ لأن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في هوية الشريك الدولي، بل في طبيعة العلاقة ذاتها، وما إذا كانت تحقق مصالح الشعوب الإفريقية أم تكرس عملية إستنزاف الثروات وإستمرار التخلف، ومع تصاعد الوعي الشعبي في دول الساحل الإفريقي، وإزدياد حجم الخطاب التحرري في وسائل الإعلام والمنتديات السياسية، بدأت تتشكل حالات جديدة من الرفض الجماهيري للتدخلات الأجنبية، وهو ما يظهر بجلاء على سطح مسرح التحولات السياسية التي شهدتها بعض دول المنطقة خلال السنوات الأخيرة، ويؤكد ذلك أن الشعوب الإفريقية لم تعد تنظر إلى الإستعمار الجديد باعتباره قضية نظرية أو جدلية تاريخية فحسب، بل أصبحت تدرك آثاره المباشرة على حياتها اليومية ومستقبل أجيالها، وهذه الحقائق تجعل من مشروع التحرر الإفريقي ضرورة وجودية لا مجرد خيار سياسي مؤقت، وليس أمام الأفارقة اليوم غير هذا الطريق إذا كانوا يفكرون في السير نحو المستقبل المنشود.

مع بروز التكتلات الإقتصادية الدولية الجديدة، وعلى رأسها مجموعة «بريكس»، عاد الحديث بقوة عن إمكانية بناء نظام عالمي متعدد الأقطاب يتيح للدول النامية مساحة أوسع للتحرك والإستقلال بعيدًا عن شبح الهيمنة التقليدية للقوى الغربية، وقد شكل هذا التحالف الإقتصادي والسياسي مصدر إلهام للكثير من أطياف الشعوب الإفريقية التي رأت فيه فرصة جيدة لإعادة صياغة العلاقات الدولية على أسس أكثر عدالة وتوازنًا مما كان عليه الحال، خاصة بعد إنضمام دول إفريقية مهمة، مثل جنوب إفريقيا ومصر وإثيوبيا، إلى جانب تنامي رغبة دول أخرى في الإنضمام مستقبلًا، وقد ساهم الإعلام بمختلف أنواعه بصورة كبيرة في تعزيز هذا التوجه من خلال إبراز خطاب التحرر السياسي والإقتصادي والدعوة إلى إستعادة السيطرة على الموارد الوطنية وتحقيق التنمية المستقلة والعادلة، وهو خطاب وجد صداه لدى قطاعات واسعة من الشعوب التي عانت طويلًا من الإفقار، والديون، والحروب، والأوبئة، رغم ما تمتلكه بلدانها من ثروات هائلة؛ كما يُعد يمنح صعود قوى إقتصادية جديدة خارج المنظومة الغربية التقليدية الدول الإفريقية هامشًا أوسع للمناورة السياسية وإيجاد البدائل، من خلال عقد شراكات ذكية تساعدها على تحسين شروط التفاوض والحصول على إستثمارات أكثر فائدة؛ بيد أن التحدي الحقيقي لا يتعلق فقط بتحرير شهادة الإنضمام إلى تحالفات جديدة، بل بقدرة الحكومات الإفريقية على بناء مشروع نهضوي داخلي قائم على الإصلاح المؤسسي، والتنمية المستدامة، وتعزيز الوحدة الإقليمية؛ فالقارة الإفريقية تمتلك إمكانيات بشرية وطبيعية ضخمة تؤهلها لتكون واحدة من أهم القوى الإقتصادية في هذا العالم، لكنها ما تزال تعاني من ضعف البنية التحتية، وتدهور الأنظمة التعليمية والصحية، وإستمرار النزاعات المسلحة التي تستنزف مواردها وتعرقل مسيرتها نحو التقدم، ومن هنا تتضح أهمية الرؤى التحررية التي تتبناها بعض الحركات السياسية الإفريقية، ومنها الحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال التي طرحت مفهوم «السودان الجديد الجديد» باعتباره مشروعًا وطنيًا لكنه يتجاوز حدود الدولة القطرية الضيقة نحو فضاء إفريقي أكثر وحدة وعدالة وتنوعًا، وأعتقد أن فكرة الربط بين كيب تاون والقاهرة عبر الخرطوم كحلقة أساسية ليست مجرد شعار سياسي، بل تعبر عن حلم تاريخي بإقامة فضاء إفريقي متكامل إقتصاديًا وثقافيًا وسياسيًا، يستطيع مواجهة التحديات العالمية من موقع القوة لا موضع الضعف، وهذا يمنح الشعوب الإفريقية فرصة حقيقية للتحرر من الإستعمار وبناء مستقبل قائم على التنمية والكرامة والسيادة الوطنية.

إن بناء رؤية إفريقية متكاملة للفكاك التام من مصائد الإستعمار الجديد يتطلب، قبل كل شيء، إعادة تعريف مفهوم النضال السياسي والثوري والإستقلال الوطني، بحيث لا يقتصر على رفع الأعلام وتشكيل الحكومات، بل يشمل السيطرة الحقيقية على القرار السياسي، والثروة الوطنية، ومسارات التنمية، وتحويل طاقات ملايين الشباب والنساء نحو العمل والإنتاج والإعمار؛ فكل التجارب التي مرت بها إفريقيا منذ مرحلة ما بعد الإستعمار أثبتت، بما لا يدع مجالًا للشك، أن كثيرًا من الدول حصلت على إستقلالها الشكلي بينما ظلت خاضعة إقتصاديًا وسياسيًا لنفوذ القوى الخارجية، وهو ما أدى إلى إستمرار الأزمات، والحروب، والإنقلابات، والهيمنة المالية، ولذلك فإن المرحلة الراهنة تفرض على القادة والمفكرين مسؤولية تاريخية تتمثل في صياغة مشروع تحرري جديد يستند إلى التعاون الإقليمي، والتكامل الإقتصادي، وبناء مؤسسات مدنية وعسكرية قوية قادرة على حماية الموارد الوطنية ومنع نهبها، وإيجاد وسائل من شأنها تحقيق التوازن التنموي بين الأرياف المنتجة والمدن الصناعية، وتحقيق هذا الهدف يتطلب تعزيز الإستقرار، والمشاركة في الحكم والإدارة، ومحاربة الفساد الذي يمثل أحد أخطر الأبواب التي تتسلل عبرها مشاريع الهيمنة الأجنبية، لأن الدول الضعيفة إداريًا وسياسيًا تصبح أكثر عرضة للإبتزاز والتدخلات الخارجية، ومن جهة أخرى، لا يمكن الحديث البتة عن أي نهضة إفريقية حقيقية دون الإستثمار الجاد في الإنسان الإفريقي عبر تطوير التعليم، والبحث العلمي، وفتح مراكز الإشعاع الفكري والثقافي، وتوفير الرعاية الصحية، وتمكين الشباب والمرأة، فهذه العناصر تشكل الأساس الحقيقي لأي مشروع تنموي مستدام؛ كذلك ينبغي على الدول الإفريقية أن تعيد النظر في طبيعة علاقاتها الإقتصادية مع العالم، بحيث تنتقل من تصدير المواد الخام إلى بناء صناعات وطنية تحقق القيمة المضافة، وتوفر فرص العمل، وتحد من الإعتماد على الخارج، وفي ظل التحولات الدولية المتصاعدة، تبدو الفرصة متاحة أمام إفريقيا لإعادة تموضعها داخل النظام العالمي الجديد، خاصة مع تراجع الهيمنة الأُحادية وصعود قوى دولية متعددة تبحث الآن عن شراكات جديدة، ويظل نجاح إفريقيا في إستغلال هذه اللحظة التاريخية مرهونًا بقدرتها على تجاوز خلافاتها الداخلية وتوحيد رؤيتها الإستراتيجية تجاه قضايا الأمن والتنمية والسيادة عبر حوار واسع يضع المصالح العليا فوق كل شروط أو تحفظات؛ كما أن رواد الإعلام والثقافة والمفكرين السياسيين مطالبون بلعب دور محوري في ترسيخ الوعي التحرري وتعزيز الإنتماء الإفريقي المشترك، لأن معركة التغيير والتحرر لا تقتصر اليوم على قضايا الإقتصاد والسياسة فقط، بل تشمل أيضًا معركة الوعي والهوية، وآليات صناعة المستقبل، ومن هنا، نستنبض حقيقة أن الطريق نحو إفريقيا الحرة والمستقلة والمزدهرة يبدأ بنسج إرادة سياسية شجاعة تؤمن بحقوق الشعوب الإفريقية في إمتلاك قرارها وثرواتها بعيدًا عن الهيمنة والإستغلال.

Loading

شارك على
أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.