ليس الخطاب الديني وحده
وجه الحقيقة… بقلم:إبراهيم شقلاوي
ليس الخطاب الديني وحده…
أعلنت وزارة الشؤون الدينية والأوقاف الخميس عن حزمة موجِّهات جديدة لتنظيم الخطاب الديني، تستهدف تعزيز قيم الاعتدال والتسامح، والحد من الظواهر السلبية في ساحة العمل الدعوي، بما يسهم في حماية وحدة المجتمع واستقراره، مع شمولها كافة المنابر من المساجد إلى الجامعات ووسائط النشر، وتشديدها على منع خطاب الكراهية والتكفير وإثارة الفتن.
هذه الموجِّهات، التي شملت مختلف المنابر من المساجد إلى الجامعات إلى الإعلام، عكست حرص الدولة علي تعريف “المقبول” والمرفوض” في الخطاب الديني. وهي محاولة لإعادة الاعتبار لمفاهيم الاعتدال والوسطية، كقيم أخلاقية، بجانب أنها ضرورة سياسية وأمنية لضمان التماسك المجتمعي في ظل بيئة قابلة للاشتعال.
وفي هذا الإطار، تكتسب مقولة الفيلسوف الألماني شوبنهاور دلالة خاصة حين يقول:” إن الكراهية تنبع من ضعف العقل أكثر مما تنبع من شدة العاطفة” . ولعل هذه الرؤية ، تتجلي بصورة مباشرة في الواقع السوداني، حيث تنعكس هشاشة الخطاب في ممارسات يومية داخل الحقل الإعلامي.
فخطاب الكراهية الذي تمدد في فضاءات متعددة لا يعكس قوة المواقف بقدر ما يكشف عن ضعف في البنية الفكرية والسياسية، حيث يُستعاض عن الحجة بالتحريض، وعن الحوار بالإقصاء.
وفي مؤشر لافت على عمق هذا الضعف، أعلن الاتحاد العام للصحفيين السودانيين أمس إدانته لما وصفه بـ“التهاتر المشين” في الوسط الإعلامي، مشيرًا إلى حالة “الانحدار والسقوط المدوي” بانخراط بعض المحسوبين على المهنة وآخرين من المتطفلين في مهاترات بلغت حد الطعن في الأعراض وتخوين الذمم، وهو ما دفعه إلى الشروع في تفعيل قانون الصحافة، متوعدًا بعقوبات رادعة تصل إلى إسقاط العضوية والملاحقة القانونية، في محاولة لاحتواء انفلات يهدد البنية الأخلاقية للمهنة.
الأخطر أن هذا الانهيار شمل كل أشكال الخطاب. فالإعلام الذي يفترض أن يكون جهازا للتنوير والوعي، تحول في كثير من مساحاته إلى فضاء لتكريس الصراع و الشائعة بدل تفكيكها، ولتسريع الحكم بدل التحقق.
لكن جوهر الإشكال لا يقف عند الخطاب الديني، بل يتجلى في تفكك المنظومة الكلية للخطاب العام، حيث يتقاطع الديني مع السياسي والإعلامي في فراغٍ يفتقر إلى رواية رسمية جامعة تضبط المعنى وتؤطر الاختلاف.
في هذا الفراغ، لا تتعدد المصادر فحسب، بل تتساوى في وعي المتلقي، فتذوب الفوارق بين المعلومة المهنية والشائعة، وبين الرواية المؤسسية والتسريب، وبين التحليل والأجندة، لتتشكل بيئة رمادية تختلط فيها الحقيقة بإعادة إنتاجها، وتغدو المنصات، على تفاوتها، مساهمًا مباشرًا في تغذية الالتباس، وربما في صناعة خطاب الكراهية ذاته.
في هذا السياق، يصبح ملف الإعلام العسكري مثالًا حيا لا استثناءً. فالمعلومة العسكرية ليست خبرًا عامًا، بل عنصرًا من عناصر الأمن القومي. ومع ذلك، فإن تعدد التصريحات، وغياب الانضباط في الظهور الإعلامي، وتسريب المعلومات عبر قنوات غير رسمية، يكشف عن خلل في إدارة أخطر أنواع الخطاب: الخطاب المرتبط بالحرب مباشرة.
كل الجيوش في العالم، دون استثناء، تدرك أن المعلومة العسكرية لا تُدار بالاجتهاد الفردي، بل عبر ناطق رسمي واحد أو منظومة اتصال محكمة. لأن تعدد الروايات في هذا المجال، يخلق انهيارًا في الثقة، ويفتح الباب أمام إعادة إنتاج الشائعة كحقيقة بديلة.
إن التجارب الدولية، من رواندا إلى لبنان، تؤكد أن خطاب الكراهية ليس مجرد انعكاس للصراع، بل أحد محركاته الأساسية. ففي رواندا، تحولت الإذاعات إلى أدوات تحريض مباشر أسهمت في تمهيد الطريق لإبادة جماعية، قبل أن تبدأ عملية إعادة البناء عبر كبح هذا الخطاب وتشريعه.
وفي لبنان، لعب الخطاب الطائفي دورًا محوريًا في تفكيك المجتمع وإطالة أمد الحرب الأهلية. هذه النماذج لا تعني تطابق السياقات، لكنها تكشف نمطًا متكررًا: حين يفلت الخطاب من عقاله، يسبق العنف أو يوازيه.
السودان اليوم يقف أمام مفترق مشابه، حيث لا يكفي الانتصار في الميدان إذا ظلت الجبهة الداخلية ضعيفة. فالدولة التي لا تملك خطابًا منضبطًا، تفقد تدريجيًا قدرتها على توجيه مجتمعها، وتترك فراغًا تملؤه قوى متعددة، بعضها معادٍ، وبعضها الآخر غير واعٍ بتداعيات ما يطرح. وفي هذا الفراغ، تتحول الشائعة إلى حقيقة، ويصبح الانقسام أمرًا طبيعيًا.
من هنا فإن معالجة الأزمة تتطلب أكثر من تنظيم الخطاب الديني، رغم أهميته. إنها تحتاج إلى مشروع متكامل لإعادة بناء الخطاب العام، يقوم على ثلاثة مرتكزات: مركزية الرواية الرسمية عبر المؤسسات دون احتكارها، مهنية الإعلام دون تسييسه، وتأهيل الفاعلين في المنابر الدينية والسياسية و الإعلامية بما يمكنهم من إدراك التعقيدات التي تعيشها البلاد. فالمشكلة ليست في كثرة الأصوات، بل في غياب الإطار الذي ينظمها.
بحسب #وجه_الحقيقة فإن مواجهة خطاب الكراهية لا يمكن أن تُختزل في المنع القانوني فقط، بل تحتاج إلى إنتاج خطاب بديل، قادر على استعادة المعنى، وبناء سردية جامعة تتجاوز الانقسامات. فالكلمة، حين تُترك للفوضى، تُنتج فوضى مضاعفة، لكنها حين تُدار بحكمة، تصبح أداة لبناء السلام.
دمتم بخير وعافية.
[email protected]
![]()