السودان والخليج: جسور علاقات تاريخية تُمهد طريق العبور نحو شراكة إستراتيجية متجددة
السودان والخليج: جسور علاقات تاريخية تُمهد طريق العبور نحو شراكة إستراتيجية متجددة
بقلم: سعد محمد عبدالله
من الصعب على المؤرخين تحديد تاريخ دقيق لبداية العلاقة بين السودان ودول الخليج، إذ تمتد هذه الروابط إلى قرون طويلة، تشكّلت خلالها وشائج متينة من التفاعل الإجتماعي والتقارب الثقافي والتعاون السياسي والإقتصادي؛ فقد ظلّت التبادلات التجارية والتواصل الإنساني عوامل أساسية في ترسيخ هذه العلاقة، حتى أصبحت جزءًا من الذاكرة المشتركة بين الشعوب، ورغم ما تعرّضت له هذه العلاقات في بعض الفترات من محاولات تشويش أو توتر، إلا أن جذورها العميقة كانت دائمًا أقوى من أي رياح عابرة تهب لإضعافها، وقد برزت مواقف واضحة لعدد من دول الخليج، خاصة في الأزمات التي مرّ بها السودان، كدليل على إلتزامها بدعم إستقراره ووحدته، إنطلاقًا من إدراكها لأهمية السودان في إطار محيطه الإقليمي الواسع، وللروابط التاريخية التي لا يمكن تجاوزها بأي حال من الأحوال؛ فهذه العلاقات لم تُبنَ على المصالح الآنية فقط، بل تأسست على أرضية صلبة من قيم الأخوة والتضامن، وهو ما يمنحها قدرة على الصمود والتجدد في مواجهة التحديات الماثلة والمحتملة؛ كما أن ما يجمع بين السودان ودول الخليج من مصالح إستراتيجية، سواء في مجالات الأمن أو الإقتصاد أو مشاريع التنمية، يجعل من الضروري العمل على تعزيز هذه الشراكة بما يتناسب مع متطلبات المرحلة الراهنة، وبما يحقق تطلعات الشعوب في الإستقرار والإزدهار.
في هذا السياق، تبرز زيارة سيادة رئيس مجلس السيادة الإنتقالي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان إلى المملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان كإحدى المحطات المهمة في مسار العلاقات الثنائية المتجددة، حيث تعكس هذه الزيارات رغبة مشتركة في تجديد وتطوير وشائج التعاون السياسي والدبلوماسي، وقد أشار الكاتب الصحفي عثمان ميرغني في عموده “حديث المدينة” إلى خصوصية الدور العُماني في المنطقة، واصفًا سلطنة عُمان بأنها دولة وازنة تنتهج سياسة خارجية متزنة، وتلعب أدوارًا بارزة في تهدئة الأزمات الإقليمية والدولية، وهو توصيف يجد صداه في الواقع العملي للدبلوماسية العُمانية، التي عُرفت بالتبصّر والحكمة والحياد الإيجابي والسعي إلى إنتاج رؤى منطقية لتقريب وجهات النظر بين الأطراف المختلفة، وهذا الدور يمكن أن يشكّل إضافة نوعية في التعاطي مع القضايا السودانية الشائكة التي تحتاج إلى حلول موضوعية، خاصة في ظل التعقيدات التي تشهدها الساحتان الداخلية والخارجية؛ فقراءة المؤشرات التي أعقبت الزيارة تعكس في جوهرها حالة من التفاؤل بإمكانية فتح آفاق جديدة للتعاون بين الخرطوم والرياض ومسقط، سواء على المستوى السياسي أو الإقتصادي، وهو ما قد يسهم بفاعلية في تعزيز الأمن والإستقرار ودعم جهود التنمية والنهضة، وبناء علاقات متوازنة مع دول الخليج ذات الثقل التاريخي والسياسي والإقتصادي، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان، ويمثل هذا التوجه خيارًا إستراتيجيًا للسودان في هذه المرحلة، لما توفره هذه العلاقات من فرص جيدة للتكامل والتعاون المشترك.
في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم، تبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة قراءة الواقع الإقليمي والدولي بعين إستراتيجية متبصّرة تستشرف آفاق المستقبل ولا تغفل التحديات والعقبات، في سبيل البحث عن فرص التعاون والتكامل وتنفيذ برامج النهوض التنموي، ويُعد تعزيز العلاقات بين السودان ودول الخليج أحد المفاتيح المهمة لتحقيق هذا الهدف، خاصة في ظل ما يمتلكه الطرفان من إمكانات إقتصادية وموقع جغرافي مميز يسمح بتوسيع مجالات التعاون في التجارة والإستثمار والطاقة والبنية التحتية، بما يسهم في خلق واقع جديد أكثر إستقرارًا وإزدهارًا، شريطة تهيئة بيئة داخلية مستقرة تشجع على تدفق الإستثمارات وتدعم حركة التنمية، وتؤكد النظرة الواقعية أن أمن البحر الأحمر سيظل عنصرًا محوريًا في هذه المعادلة، باعتباره شريانًا حيويًا للتجارة العالمية، وممرًا مائيًا إستراتيجيًا يربط بين إفريقيا والشرق الأوسط، وهو ما يستدعي تنسيقًا مشتركًا لضمان إستقراره وحمايته من التهديدات المختلفة؛ ومن هنا، فإن تحقيق السلام والإستقرار في السودان لا يمثل مصلحة وطنية فحسب، بل هو أيضًا ضرورة إقليمية كبرى، تفتح الباب أمام شراكات أوسع، وتؤسس لمرحلة جديدة من التعاون البنّاء الذي يحقق المصالح المشتركة ويقود الجميع نحو مستقبل أكثر توازنًا وإستدامة.
![]()