موقف عمومي … بقلم: د. هاشم غرايبه
موقف عمومي … بقلم: د. هاشم غرايبه
ابتكر البشر النظام المدني، وطوروه من الجماعة الى القبيلة حتى وصل الى شكله الحالي (الدولة)، بهدف تحقيق كفايات الإنسان واحتياجاته، من غير ظلم ولا عدوان، لكن السلطة الحاكمة، ورغم التطوير المستمر لأدائها الى أن وصل الى ما يعتقده البعض من كمال متمثل في النظام العالمي المعاصر، لم تتمكن الى الآن من إرساء قواعد حازمة وفعالة لضبط الأطماع والشرور.
السبب أن نفوس البشر متباينة، والتعامل معها يشبه تنظيف الملابس، فهنالك من الناس من يكفيه تنبيهه الى سوء فعله حتى يقلع عنه، فهذا كفرشاة الملابس تزيل ما علق على الملابس من غبار بسهولة من غير غسلها، بعض النفوس لا ترتدع عن أفعال السوء إلا بالتنبيه أو الزجر، فذلك كالغسل بالماء وفرك البقعة مليّاً حتى تزول تماما، أما البقع العنيدة فلا يكفيها الغسل ولا ينفع معها الفرك، بل هي بحاجة لمعالجة بمادة كاوية (خوف العقاب) ومطرية معطرة في الوقت نفسه ( انتظار الثواب).
لذا لتقويم النفوس وصلاح أفعالها، لا يكفي التنبيه والتعليم والتربية – على وجاهة أثرها-، فبعضها لا يستجيب إلا بالترغيب والترهيب.
هنا يتوقف دور الدولة، فلا وسيلة لديها لمعالجة الشر قبل حدوثه، وقد ثبت بالتطبيق أن عقوبة مخالفة للقوانين قاصرة عن ردع الغير، لأنه يأمل دائما أن يجد وسيلة لتجاوز القانون، وأن ينجو بفعلته.
لذلك فالحل الأمثل أن يوقن الذي ينوي الشر بأن هنالك سلطة أعلى من الدولة لا يمكنه أن ينجو منها.
من هنا كان الإيمان بيوم الحساب، فجاء دور الدين كملجأ أخير لتغطية عجز الضمير والأخلاق والتربية عن إصلاح الإعوجاج، لذا فقد أوجد الخالق الحكيم الخبير بطبائع النفوس وطرق إصلاحها، ثلاث درجات من التصفية (الفلترة) للنفس البشرية:
الأولى: الضمير وقد جعله في كل النفوس معياريا، أي ميزانا يزن الأمور فيحدد صالحها من طالحها.
الثانية: الأخلاق والتي هي جملة من المبادئ تُكتسب من خلال التربية الأسرية والمدرسية والمجتمعية.
الثالثة: الدين وهي تشريعات صارمة تحدد المسموح والمحظور في المنهج والفعل والقول.
فالمصفاة الأولى تأتي تلقائيا مع كل نفس، لا تشترى ولا تكتسب، بل تنمو مع نمو العقل والخبرات، لكن عيبها أنها سريعة العطب، يُضعفها مخالفتها، ويهلكها تكرار ذلك، فيبطل توالي المخالفة مفعولها، حتى تضمر وتزول.
تأتي الثانية لتلتقط الشوائب التي عبرت من المصفاة الأولى، لكن عيبها أنها ضعيفة أمام الرغبات والأهواء، فغالبا ما تنحني الأخلاق إن كان غرسها ضعيفا أمام الهوى عندما يتصادمان، فتنزوي جانبا ولا تمانع الفعل السيء.
لذلك تأتي الثالثة كحاجز أخير، لكنها حينما تفسد أو تُغيّب، لا يبقى للنفس من عاصم فتسقط في وهدة الرذيلة.
لا يُعلي قدر المرء ويسمو به شيء أكثر من الصلاح، فالعلم والمال والجاه روافع، لكن بقاءه ساميا، فذلك لصلاح نفسه مرجعه، فإن فسدت هوت به من حالق.
لنتأمل في قوله تعالى: “وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ” [الكهف:82]، فنجد أن الله إكراما لرجل لصلاحه حفظ لذريته حقهم فيما اكتنزه لهم، فسخّر العبد الصالح لكي يقيم الجدار فلا ينقض إلا وقد كبر الولدان فاستخرجا كنزهما.
نستنتج من ذلك أن صلاح المرء لا ينفعه بذاته فقط، بل ينال جزاء ذلك نفع لذريته أيضا، فيحفظ لهم ويحفظهم، لذلك قال يعقوب عليه السلام لبنيه وهو يستودعهم الله: “فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ” [يوسف:64].
كما نستخلص أنه اذا أراد الله إكرام شخص صالح، جعل حوائج الناس عنده، فنال بأدائها ثناءهم في الدنيا، واستحق بما نفع الناس بها حسن الثواب من ربه في الآخرة.
لذلك إذا كان ظنك بنفسك صالحا وقافا عند حدود الله، وأردت ان تعرف مقامك عند ربك، فانظر فيم استعملك فيه، وكم أعطاك من مفاتيح تفتح أبواب الخير لخلقه من البشر والكائنات الأخرى، فكلما كثرت في يدك المفاتيح، للخير أبواب تفتحها، وأبواب الشر تغلقها.. كلما كان مقامك عند ربك أعلى.
![]()