من ماليزيا الى سنغافورة
من ماليزيا الى سنغافورة
بقلم: جعفر عباس
من عنده تأشيرة زيارة لماليزيا يستطيع دخول سنغافورة بدون تأشيرة مسبقة، وعند الحدود تم ختم جوازات جميع الركاب بسرعة فائقة، وبقيت عائلة الجعافرة ملطوعة امام ضابط الجوازات لنحو ساعة كاملة، فسألت الضابط عما يحصل فقال لي ان هناك تحفظات على دخول السودانيين في العديد من البلدان، فقلت له: أعيدوا الينا جوازاتنا، إذا كنتم تعتقدون ان شخصا ما يمكن ان يدخل بلدا مع عياله لارتكاب عمليات إرهابية، فطلب مني الصبر قليلا، ثم جاء جندي حاملا جوازاتنا وعليها ختم الدخول
سنغافورة هي البلد الوحيد التي زرتها ولن أفكر في زيارتها حتى لو نقلوها للحوش الخلفي لبيتنا، فهي عبارة عن غابة من الأسمنت والسيخ، وشوارع نظيفة يتحرك فيها الآلاف من الروبوتات، ليس تلك الكائنات التي تتألف من اسلاك ووصلات ومحركات، بل بشر عاديون ولكنهم يتحركون كما الروبوتات، في سرعة فائقة، بينما رنين الهواتف يغطي أزيز محركات السيارات، وتنظر الى من يتلقى مكالمة وتسمعه يقول شيئا من شاكلة: بنق بانق دانق، وتنتهي المكالمة ويرن الهاتف مجددا ويقول: دودا ديدا دنق دانق، وتنتهي المكالمة، بينما التحية وحدها في مكالماتنا تستغرق بضع دقائق: حالك وأحوالك، وليداتك وغنيماتك؟ الجماعة وضعوا؟ ما بقيتو 3؟ وفي مطعم ما طلبنا بيتزا، وفوجئنا بأن قارورة الماء العادي ب3 دولارات، فقلت لجماعتي إنني قرأت تقريرا طبيا يفيد بان شرب الكثير من الماء ضار بالصحة، فقالت مروة: أكيد موية القارورة الواحدة منها ب3 دولارات ضارة بصحة بابا العقلية، ودخلت دورة مياه في مجمع تسوق في شارع أورتشارد، وبكل أمانة كان الحمام أكثر نظافة من غرفة في فندق أبو خمس نجوم
ومن باب الهرب من إزعاج المدينة وحركة الروبوتات، قررنا زيارة جزيرة سنتوسا، واشترينا التذاكر اللازمة للزيارة، من مرفق سياحي، وتوجهنا الى نقطة الانطلاق، وهناك سقط قلبي في تجاويف قولوني، فقد أركبونا عربة كهربائية حلقت بنا على ارتفاع شاهق فوق البحر وصولا الى الجزيرة، وكنت مقررا قبلها عدم ركوب ما يسمى بال”تليفريك” أي عربات الكيبل الكهربائي، بعد ان جربت ركوبها ليلا انطلاقا من مرتفعات غينتينغ في ماليزيا، ووجدت نفسي ومعي ام المعارك نحلق فوق غابات استوائية ونسمع بوضوح عويل النمور والبوم.
سنتوسا جزيرة في منتهى الجمال، ودخلنا مغارة بها عدد من السياح ورأيت دليلا سياحيا وهو يحمل على كتفه ثعبانا طوله نحو ثلاثة أمتار والسياح الخواجات يطبطبون على الثعبان، واقترب الرجل مني فابتعدت منه ركضا في اتجاه آخر، ووجدت نفسي وجها لوجه مع دليل آخر يحمل في يده عقربين، وصحت “وي بيوو بالانجليزي we be you”، وانطلقت الى الخارج.
ومقابل كرهي لسنغافورة كان حبي لإريتريا، ففي أول مرة أحل بأرضها أقمت، ولكن لفترة قصيرة جدا في فندق نيالا، وزرت مقابر الجنود السودانيين الذين خاضوا معركة كرن ضد الطليان، ووجدتها مزدانة بالزهور والخضرة وزرت قبر الفنان سرور، وغادرت الفندق وأنا غير قادر على الكلام، ففي ذلك الزمان كان السودان يقاطع منتجات الكوكا كولا، ووجدت في الفندق الفانتا معروضة وشربت منها وهي مثلجة نحو سبع قوارير، لأنني كنت في شوق إليها، وأذكر انني وحرمي وزوجتي وعقيلتي وأم عيالي كنا عائدين الى ابوظبي بالخطوط الإثيوبية، ونزلنا مطار اسمرا كيف تأتي طائرة أخرى لتنقلنا الى أبو ظبي، وعرفت مصادفة ان سيدة كبيرة في السن كانت معنا في الطائرة هي الحاجة فاطمة زوجة صديقي محمد علي موسى رحمهما الله، ولفت انتباه حاجة فاطمة نفر من الركاب السودانيين يتزاحمون على كاونتر فسألت: مالُن ديل؟ فقلت لها إنهن يشربون البيرة في بار المطار، فتساءلت: ما خايفين من نميري (وكان ذلك بعد ان اكتشف نميري بعد البقاء في الحكم 14 سنة ان الخمر حرام).
![]()