مبتدأ وخبر … بقلم: د. هاشم غرايبه
مبتدأ وخبر … بقلم: د. هاشم غرايبه
المبتدأ: يقال أن أصل المثل (حاميها حراميها) يعود الى أسطورة قديمة، مفادها ان احدى القبائل كانت تنعم بحياة رغيدة كونها تقيم في منطقة غزيرة المياه خصبة الأراضي، ولم تستطع القبائل الأخرى في محاولات عديدة انتزاعها منها، وكان سر قوتها جرة قديمة توارثتها القبيلة من الأجداد، الذين أوصوا بأنهم سيبقون بمأمن طالما الجرة عندهم، لذلك كان يحتفظ بها شيخهم، ويعرضها عليهم في احتفالية مهيبة في كل عام مرة.
عرفت القبائل الطامعة ان لا سبيل لها الى الاستيلاء على حمى القبيلة إلا بسلب الجرة، فلجأوا الى حيلة ذكية استغرقت زمنا لتنجح، حيث دربوا أحد رجالهم لكي يندس في القبيلة، وتمكن بالمال من الانضمام الى فرسان الشيخ، ولما كان يجتبي الأصدقاء بالمال والهدايا، فقد اجتمع حوله رهط صاروا له تبعا، عندها انقلب على الشيخ فأزاحه بحجة الحفاظ على الجرة.
بعد أعوام قليلة لم تعد تظهر الجرة في الاحتفالات، مع تأكيد الشيخ الجديد أنها مخبأة في مكان حريز، لكن ما كشف فقدانها أن قبيلة هزيلة استولت على المراعي بلا قتال، فتشتت القبيلة وخسرت سابق عزها.
الخبر: في مقابلة منشورة مع فنان الكاريكاتير السوري “موفق قات”، يشكو من تناسي العالم مأساة الشعب السوري، حيث توافق الطغاة العرب مع الغرب المعادي التاريخي للأمة على التعتيم الإعلامي على معاناته، المتمثلة بإدامة نظام الحكم الأسدي، ليس حباً به، بل خوفا من قيام نظام ذي توجه إسلامي، بعد أن فشل دعم الأنظمة العربية العميلة في تمكين العلمانيين من ركوب الثورة.
الفنان ينتمي الى التيار الماركسي، وتلقى علومه في موسكو، وهو يعيش الآن في منفاه مثل ملايين المهجرين السوريين الذين تركوا وطنهم هربا من الموت إما في المعتقلات أو بالبراميل المتفجرة.
وبما أنه ليس إسلاميا لذا فلا يستطيع مؤيدو النظام اعتباره إرهابيا، لذلك ساهم بفعالية مع فريق من الفنانين السورين من خلال رسوماتهم في فضح إرهاب ووحشية نظام الأسد.
يقول في حديثه: “بعد أن تفجرت ثورات الربيع العربي، التي قلبت المفاهيم، فأصبح الشارع أكثر حضورًا، ظهرت مواهب شابة في فن الكاريكاتير في سورية، فقد زال الحذر والخوف الذي ورثناه من النظام السياسي القمعي على مدار خمسين عاماً.
بعد الثورة السورية انتقل الخوف من الشعب إلى النظام، لذلك هرول إلى دول تشبهه كي تنقذه، وتحوّل إلى خادم لهم يعمل بأوامرهم ويبيع سورية لهم مقابل الإحساس بالأمان الذي فقده”.
هذا الفنان مثل آلاف المثقفين السوريين غيره، أعطتهم الثورة دفعة من الشجاعة، فاستطاعوا أن يعبروا عن آرائهم الحبيسة في صدور جثم عليها نظام قمعي بالغ الشراسة خمسة عقود.
وجاء هذا النظام إثر انقلاب عسكري قاده حافظ الأسد على حزب البعث الحاكم، وسماه الحركة التصحيحية.
والمريب في الأمر أن كل الدول التي تدعي حماية الديمقراطية في العالم، وعلى رأسها (أمريكا) التي أعلن النظام الجديد أنه جاء لممانعة مشروعها الاستعماري، كلها باركت الانقلاب مثلما ما فعلت مع السيسي فيما بعد.
لم يعرف السوريون من النظام غير الهزائم المنكرة أمام العدو الصهيوني، ولم ينالوا منه غير القمع، ولا يمكنهم أن ينسوا معاناة احتفالات (ذكرى الحركة التصحيحية) السنوية عندما كانوا في المدارس والجامعات،
فقد كانوا يساقون كالقطعان للمشاركة في المسيرات (العفوية!)، ويُلزمون بدوام التصفيق والهتاف من الصباح الى المساء، وهم يعلمون عاقبة الغياب عن المسيرة.
المأساة أن ما كان يدعي النظام أنه جاء لممانعته، هو الذي تحقق على يده وبصورة فاقت طموحات أعداء الأمة.
فهل كان البرنامج الأمريكي – الصهيوني، لو نفذته قوة عسكرية محتلة، لينجح بتدمير سوريا اقتصاديا، وتقطيع أوصالها اجتماعيا، وتشريد ثلث سكانها وقتل ربعهم وعيش الباقين تحت رعب الاعتقال … ومن غير أن يخسر المعادون جنديا واحدا!؟
فما الذي بقي من البرنامج حتى يمانعه هذا النظام؟.
بعد كل الذي حدث، يفترض بالمخدوعين بشعار الممانعة أن يصحوا من أوهامهم، فالنظام السوري مثله مثل باقي أنظمة سايكس بيكو، مستعد للتنازل عن أي شيء مقابل الاحتفاظ بالكرسي.
وعليهم أن يعترفوا بأن من قام بـ (الحركة التصحيحية) بحجة الحفاظ على الجرة، أنه لم يكن حاميها بل حراميها.
![]()