كـلام عـابـر … بقلم: عبدالله علقم
بكاري يارو
في مطار بومباي كان الانتظار في صالة المغادرة طويلا ومملا. تأجلت رحلة الخطوط الهندية لأكثر من نصف يوم وأجبر الركاب على قبول ضيافة الشركة في فندق قريب من المطار، في صالة المغادرة تواصل الانتظار. جلست إلى جوار تربيزة صغيرة وطلبت كوبا من الشاي وأخذت أتأمل في تلك الفسيفساء البشرية العجيبة التي فاضت بها الصالة الواسعة. هنا ترى أمامك كل أعراق وسحنات وأزياء الدنيا وكأنها كرة أرضية مصغرة. أخذت أقلب في صفحات جريدة “إنديا تايمز” أستعين بها على فترة انتظار لا أعرف متى تنتهي.
– هل تسمح لي بالجلوس معك يا أخي؟
كان شابا في منتصف عقده الثالث،ذا سمرة داكنة وبنية رياضية، يميل إلى الطول، وجهه لا يخلو من علامات وسامة ما، تعلو الوجه جدائل شعر تتدلى على الكتفين، ويحمل حقيبة صغيرة غريبة الشكل تتدلى من يده اليسرى. لم ينتظر ردا على طلبه وسارع بالجلوس على الكرسي المقابل بجرأة منفرة رغم وجود ترابيز اخرى كثيرة خالية من الزبائن. لم يمهلني لأقل له إن هناك أمكنة أخرى في الصالة الواسعة بل قال بنفس اللغة الانجليزية معرفا باسمه وهو يمد يده لي:
– هلو.. أنا بكاري يارو من نيجيريا. سعيد برؤيتك.
صافحت اليد الممدودة بلا رد وشغلت نفسي بشرب كوب الشاي. أنا شخص اجتماعي إلى حد كبير وأرغب في التعرف إلى الناس وأكتساب معارف وصداقات جديدة، ولكنها رغبة تتضاءل شيئا فشيئا مع تقدم سنوات العمر. الساعات قبل السفر فرصة للإنسان ليختلي بنفسه ويعيد التفكير في أحداث الأيام السابقة ويخطط لفترة مستقبلية قصيرة. لكن هذا الشاب في طريقه لأن يفسد علي كل شيء. واصل تقديم نفسه:
– أنا من بورت هاركورت..هل سمعت بها؟
خاطبته لأول مرة وكأنما استفزني السؤال:
– ومن لا يعرف بورت هاركورت؟ وأي شيطان لا يعرف كين سارو ويوا الذي جاء من بورت هاركورت؟
تهللت أساريره. قال لي:
– من أي بلد أنت؟ أثيوبيا؟
– ليس بعيدا من اثيوبيا. أنا من السودان.
– ومن أين تعرف ويوا؟
بلغ بي الضيق حدا بعيدا.
– لم أعرفه معرفة شخصية يا رجل ولكني أعرفه مثلما أعرف شينوا أشيبي و وولي سوينكا. قرأت ما كتبوه. أفهمت؟
ذكرت له إسما قلت له إنه اسمي بعد أن طلب معرفة اسمي أكثر من مرة. تبرع بمعلومات إضافية عنه لم أطلبها وكأنما يرى ذلك مفتاحا لعلاقة صداقة أثق أنها ستنتهي في هذه الصالة أو عند سلم الطائرة أو على الأكثر في مطار أديس أبابا حيث يواصل كل منا رحلته لوجهة مختلفة بطائرة مختلفة. قال إنه يدرس الهندسة المدنية في سنته النهائية في جامعة بوما وهو مسافر ليمضي إجازته السنوية في نيجيريا. جاءت الجرسونة. سددت لها فاتورة كوب الشاي مع بقشيش متواضع. أحسست بالاشمئزاز من وصفه البذيء لمؤخرة الجرسونة. طلب زجاجة من الكونياك. تضايقني رائحة الخمر بيني وبينها عداء غريزي. تضايقني الآن رائحتها التي بدت الآن واضحة وقوية. لعله تناول قدرا منها قبل اقتحامه خصوصيتي، وهاهو يطلب المزيد. يبدو أنها بداية غير طيبة لهذا اليوم الذي بدأ بتأخير جديد لموعد إقلاع الطائرة. رأيت أنه قد آن الأوان لأتخلص من هذه الصداقة الإجبارية. قبل أن أفعل ذلك حاول أن يبتدر نقاشا عن الوحدة الأفريقية والتفرقة العنصرية التي يعاني منها الإنسان الأسود في كل مكان. قلت له إني أحتاج للذهاب للحمام وغادرت المكان. تجولت في أمكنة أخرى في صالة المغادرة بعد أن تخلصت من هذا العبء الثقيل. بعد نحو ساعة من الزمان جاء الفرج أخيرا وانطلق المنادي عبر المكرفون يطلب من ركاب رحلة الخطوط الجوية الهندية المتجهة لأديس أبابا التوجه نحو بوابة الخروج المعينة لإكمال إجراءات الصعود للطائرة.
كنت من أوائل الصاعدين للطائرة البوينج.ابتسامة تلك المضيفة وهي ترتدي الساري الجميل أزالت بعضا من رهق الانتظار الطويل. كان الجلوس اختياريا فيما يبدو دون التقيد بأرقام المقاعد. قادتني وحدي لمقعد في الصف الأول من الدرجة السياحية يتيح مساحة أكثر لمد الساقين. وضعت أغراضي القليلة أمامي واسترخيت على مقعدي مادا قدمي للامام بعد أن ربطت الحزام، وشرعت في قراءة أدعية السفر وسورة ياسين قبل أن أعود مرة أخرى لمطالعة “إنديا تايمز”. تتابع دخول الركاب للطائرة. لم يجلس أيا منهم بجانبي مما قد يعني شيئا من الاسترخاء في الرحلة التي تستغرق ساعات قليلة.انتزعتني من الجريدة الأصوات المرتفعة على مقربة مني. ها هو بكاري يارو من جديد. لا بد أنه سيفرض علي صداقته مرة أخرى عندما يبصر بالمقعد الشاغر بجواري. ربما تكون صداقته الاجبارية قدرا محتوما علي.. وهل يهرب الإنسان من قدره؟ قطعا سأطلب من المضيفة أن تحولني لمقعد آخر إن أصر على الجلوس بجواري.
بينما أنا أتحسب للمصيبة القادمة سارت الأمور على نحو غير متوقع إطلاقا. يبدو أن بكاري كان في حالة سيئة من السكر بدرجة جعلت عليه من الصعب أن يتحكم في أفعاله وأقواله. كانت تفصل بيننا صفوف مقاعد الدرجة الأولى ولم يكن المشهد واضحا تماما. أسباب وتفاصيل الأحداث غير واضحة،ولم أهتم بمعرفتها فيما بعد، ولكني شاهدت من بعد بكاري يارو وهو يوجه لكمة بقبضة يده لأحد أفراد طاقم الطائرة. جاء آخرون استطاعوا أن يسيطروا على بكاري يارو بسرعة وهدوء. لم يضربه أحد منهم ولكنهم أفلحوا في إنزاله من الطائرة بعد قليل من المقاومة من جانبه. شاهدتهم من النافذة وهم يضعونه في جوف سيارة انطلقت به بعيدا من الطائرة.
![]()