دار مالي.. سوقٌ هزم ضجيج التعدين وكتب فصلاً من حكاية الصمود بقيادة أحمد عبدالمعبود
دار مالي.. سوقٌ هزم ضجيج التعدين وكتب فصلاً من حكاية الصمود بقيادة الفاضلابي وأحمد عبدالمعبود
الدامر: عبدالرحمن الكيال
في قلب الضجيج الذي تصنعه آليات التعدين، وبين حركة المعدنين الباحثين عن رزقهم، تقف دار مالي كأحد أبرز أسواق التعدين في ولاية نهر النيل؛ مكانٌ لم يكن مجرد سوق للذهب، بل تحول خلال سنوات الحرب إلى مساحة للإنتاج، ومصدر للدعم، وواحد من الشواهد على قدرة المجتمعات المحلية على الصمود في أصعب الظروف.
ولعل الرسالة الأبرز التي خرجت من زيارة والي نهر النيل، الدكتور محمد البدوي عبدالماجد أبوقرون، إلى السوق، أن دار مالي ليست سوقاً مؤقتاً يمكن أن تطويه الأيام، وإنما واقع اقتصادي واجتماعي يستحق البقاء والتطوير.
حين أعلن الوالي أن سوق دار مالي «سيظل باقياً»، لم يكن حديثه مجرد تأكيد إداري، بل حمل رسالة واضحة بأن أسواق التعدين، متى ما وجدت التنظيم والرعاية والبيئة الآمنة، يمكن أن تتحول من تجمعات عشوائية إلى مراكز اقتصادية فاعلة تسهم في دعم الدولة والمجتمع.
من الذهب إلى معركة الكرامة
خلف حركة البيع والشراء وأصوات معدات التعدين، قصة أخرى لا تقل أهمية؛ قصة سوق يقول العاملون فيه إنه لم يقف بعيداً عن معركة الكرامة.
فقد أسهم المعدنون وأصحاب الأعمال في السوق في دعم قوافل المؤازرة للقوات المسلحة والقوات المساندة لها، كما امتدت مساهماتهم إلى المناطق التي تضررت من الحرب.
وهنا تبرز أهمية دار مالي بصورة مختلفة؛ فالذهب الذي يُستخرج من باطن الأرض لم يكن وحده مصدر القيمة، وإنما كان هناك أيضاً رأس مال اجتماعي تجسد في التكافل والمبادرات والدعم خلال فترة الحرب.
وبعيداً عن عدسات الإعلام، كانت هناك نجاحات تُصنع وسط ظروف بالغة التعقيد، يقودها العاملون في السوق ولجانه ومكوناته المختلفة، في محاولة للحفاظ على دورة النشاط الاقتصادي ومنع انهيار مجتمع كامل ارتبطت حياته بالتعدين.
الفاضلابي وأحمد عبدالمعبود وزمرتهم.. عمل في صمت
وراء المشهد اليومي للسوق، هناك رجال يعملون بعيداً عن الأضواء، ومن بينهم المدير التنفيذي لمحلية بربر حسن كرار الفاضلابي وأحمد عبدالمعبود مدير سوق دارمالي ورفاقهم، الذين ارتبط اسمهم بجهود تنظيم السوق والمساهمة في معالجة قضاياه.
قد لا تظهر هذه الجهود دائماً في نشرات الأخبار أو على شاشات التلفزيون، لكنها تظل حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية للسوق؛ في تنظيم العمل، ومعالجة المشكلات، والمساهمة في المبادرات، والسعي إلى تحسين البيئة والخدمات.
وهذه هي المفارقة التي تستحق التوقف عندها: نجاحات كثيرة تُصنع في السودان بعيداً عن عدسات الإعلام، بينما لا تصل إلى الجمهور إلا بعد أن تصبح حدثاً كبيراً.
من سوق للتعدين إلى نموذج قابل للحياة
زيارة الوالي لم تكن بروتوكولية؛ فقد حملت أجندة واضحة لإعادة ترتيب واقع السوق.
فإصحاح البيئة وإزالة النفايات، ونقل مخلفات التعدين «الكرتة» إلى خارج السوق، وتسويره، وتنظيم بوابات الدخول والخروج، والتشجير، ليست مجرد إجراءات تجميلية، بل خطوات مرتبطة بصورة السوق ومستقبله.
السوق الذي يريد أن يستمر ويكبر يحتاج إلى أكثر من الذهب؛ يحتاج إلى أمن، وعدالة، وبيئة سليمة، وخدمات، وتنظيم، وبنية تحتية.
ومن هنا تأتي أهمية قرار إنشاء محكمة ونيابة داخل السوق، وهو قرار من شأنه تقريب العدالة من المواطنين والمعدنين، وتقليل الحاجة إلى الانتقال إلى بربر لإنجاز الإجراءات العدلية.
كما أن الاتجاه لتركيب كاميرات مراقبة يمثل خطوة مهمة في تعزيز الأمن ومراقبة الحركة داخل السوق، خاصة في ظل الحديث عن ظهور بعض الجرائم والظواهر السالبة خلال الفترة الماضية.
الكهرباء.. مفتاح آخر للاستقرار
ولا يمكن الحديث عن تطوير دار مالي دون التوقف عند ملف الكهرباء.
إعلان المدير التنفيذي لمحلية بربر، حسن كرار الفاضلابي، عن قرب انطلاق المرحلة الثانية من مشروع كهرباء السوق، بتكلفة تتجاوز ستة تريليونات جنيه، يكشف أن المعركة الحقيقية ليست فقط مع التحديات الأمنية، وإنما أيضاً مع متطلبات البنية التحتية.
فكلما تحسنت الكهرباء والخدمات، أصبحت بيئة العمل أكثر استقراراً، وارتفعت قدرة السوق على تنظيم نشاطه وتحسين إنتاجيته.
دار مالي.. اقتصاد يتجاوز حدود السوق
أهمية دار مالي لا تتوقف عند حدود الولاية؛ فالتعدين أحد الموارد التي يمكن أن تسهم بصورة مباشرة في الاقتصاد السوداني، خاصة في ظل الحاجة إلى موارد تدعم الخزينة العامة وتحرك الأسواق وتوفر فرص العمل.
لكن تعظيم عائد التعدين لا يتحقق بالاستخراج وحده، وإنما يحتاج إلى تنظيم النشاط، وتحسين البيئة، ومحاربة الظواهر السالبة، وتوفير الأمن والعدالة، وربط الإنتاج بالتنمية المحلية.
ومن هنا يمكن أن تكون دار مالي تجربة تستحق الدراسة، ليس باعتبارها سوقاً للذهب فحسب، وإنما كنموذج لإمكانية تحويل النشاط التعديني إلى منظومة اقتصادية واجتماعية أكثر تنظيماً واستدامة.
المعركة القادمة.. التنظيم
إذا كانت دار مالي قد استطاعت الصمود في زمن الحرب، فإن التحدي القادم هو أن تنتقل من مرحلة الصمود إلى مرحلة البناء.
وهذا يتطلب شراكة حقيقية بين حكومة الولاية، ومحلية بربر، والشركة السودانية للموارد المعدنية، والأجهزة الأمنية والعدلية، ولجنة السوق، والمعدنين وأصحاب الأعمال.
فلا يمكن أن تنجح جهة واحدة في بناء سوق كبير ومستقر.
المطلوب هو مشروع متكامل يجعل من دار مالي سوقاً آمناً ومنظماً ونظيفاً، ويضمن حقوق العاملين، ويرفع مساهمته في الاقتصاد، ويعزز دوره الاجتماعي.
حكاية لم تُروَ بما يكفي
ربما تكون المشكلة أن دار مالي ظلت طوال الوقت تُرى من زاوية واحدة: آليات تعدين، ذهب، ومعدنون.
لكن المشهد أوسع من ذلك بكثير.
هناك مجتمع يعيش من النشاط التعديني، وهناك رجال يعملون في صمت، وهناك أموال تحرك الاقتصاد، وهناك مبادرات اجتماعية، وهناك مواقف خلال الحرب، وهناك أحلام بتطوير السوق.
ولهذا فإن دار مالي تستحق أن تُقرأ باعتبارها قصة صمود اقتصادي واجتماعي، لا مجرد سوق للتعدين.
وعندما يقول والي نهر النيل إن السوق سيظل باقياً، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل ستبقى دار مالي؟
بل: كيف يمكن أن تصبح دار مالي أفضل؟
الإجابة تبدأ من الأمن والعدالة، وتمر عبر البيئة والخدمات والكهرباء والتنظيم، وتنتهي بسوق قادر على إنتاج الثروة وتحويل جزء منها إلى تنمية حقيقية يستفيد منها الإنسان والمكان.
ففي دار مالي، وبين ضجيج آليات التعدين، ثمة قصة أكبر من الذهب نفسه؛ قصة أناس اختاروا أن يعملوا، وأن يصمدوا، وأن يبنوا، حتى عندما كانت عدسات الإعلام مشغولة بأصوات الحرب.
![]()