حين يقف الفيتوري على الحدود: قمة الساحل والصحراء وسؤال المستقبل
حين يقف الفيتوري على الحدود: قمة الساحل والصحراء وسؤال المستقبل
بقلم: سعد محمد عبدالله
لقد خاطب وزير الخارجية والتعاون الدولي، السفير محي الدين سالم أحمد، الجلسة الوزارية لتجمع دول الساحل والصحراء، التي إنعقدت في مدينة طرابلس بتاريخ 11 أبريل 2026م، بحضور عدد من وزراء خارجية دول التجمع، مؤكدًا إهتمام السودان بتطوير هذه المنظمة التي شارك في تأسيسها مع عدد من الدول الصديقة، وسعيه المستمر لتفعيل دورها في البحث عن وسائل النهوض والتطور ومواجهة التحديات المتصاعدة التي تمر بها المنطقة، خاصة في الجوانب الأمنية المرتبطة بانتشار السلاح والمرتزقة والإرهاب والمخدرات وعمليات التهريب العابرة للحدود، وأعتقد أن قمة 2026م تعيد إلى الأذهان صورًا وأفكارًا من قمة الخرطوم عام 2001م، ولكن أجزم أنّ من إجتمعوا فيها سابقًا لن يعرفوا شوارعها التي أحرقتها مليشيا الدعم السريع؛ وتجيب قمتهم اليوم على الكثير من الأسئلة القلقة التي يطرحها العديد من السياسيين والإعلاميين في ظِل تحولات وإضطرابات كبيرة يشهدها السودان ودول الإقليم، الأمر الذي يضع على عاتق هذه المنصة الإقليمية مسؤولية مضاعفة، تتطلب بلورة رؤية ثاقبة لتعزيز التعاون المشترك؛ كما يتضح جليًا أن السودان، باعتباره دولة ذات تاريخ وموقع إستراتيجي، يمثل عنصر توازن مهمًا في إفريقيا، ولا يمكن التفريط البتة في وحدته وإستقراره، وهو ما يجعل طرح قضاياه الحية ضمن أجندة القمة أمرًا ضروريًا ومفصليًا يأتي على رأس أولويات المشاركين.
يضم تجمع دول الساحل والصحراء عددًا من الدول الإفريقية التي تواجه تحديات متشابكة، تتراوح بين الأزمات الأمنية والإقتصادية، وتداعيات الحروب وسقوط الأنظمة، وآثار التغير المناخي، ورغم تفاؤل تقرير البنك الإفريقي للتنمية بصمود إقتصاد القارة أمام التحديات العالمية الراهنة، وتوقعه إستقرار النمو الإقتصادي عند 4.3% خلال عام 2026م، فإن القراءة الواقعية تفرض فتح منصات حرة للحوار الديمقراطي والتنسيق الإقليمي عالي المستوى من أجل التعامل مع هذه القضايا التي لا تقبل التأخير، وقد أتاح إنعقاد هذه القمة في دولة ليبيا مساحة مهمة للحوار الموضوعي، خاصة في ظِل الروابط الجغرافية والحدودية التي تجمع السودان بليبيا، ولا تُذكر هذه العلاقات إلا ويطلّ وجه الشاعر محمد مفتاح الفيتوري، الذي عبّر عن آمال شعوبنا من على خطوط التماس؛ لا بوصفها حدودًا فاصلة، بل جسورًا لعبور الشعبين السوداني والليبي نحو غدٍ مشرق، وإستحضاره في هذا السياق أكثر من مجرد إستدعاء أدبي، بل قراءة رمزية لحلم متجدد ومصير مشترك، حيث تمتد الحدود المشتركة على نطاق واسع، وكان يُستفاد منها سابقًا في التجارة الحدودية، قبل أن تتحول بعض مناطقها إلى بؤر تستغلها الجماعات المسلحة الخارجة عن القانون للقيام بأنشطة التهريب وتجارة السلاح والمخدرات؛ وتفرض هذه التحولات واقعًا أمنيًا معقدًا يتطلب تنسيقًا مباشرًا بين الدول المعنية، وتفعيل آليات الرقابة والتعاون الأمني، بغية ضبط الحدود ومواجهة التهديدات الماثلة والمحتملة، بما يسهم في إعادة الأمن والإستقرار وتعزيز وشائج الثقة بين شعوب المنطقة.
إن تحليل الوقائع المحيطة بمسألة إنعقاد هذه القمة التاريخية المهمة في هذا التوقيت يعكس إدراك دول المنطقة لحجم المخاطر التي تتهددها في ظِل عالم مضطرب ومتغير، ويؤكد إستعدادها الواضح للإنخراط الإيجابي في عمل موحد ومسؤول لمواجهتها، والعمل على صناعة الحلول المناسبة للمشكلات من داخل البيت الإفريقي، وذلك عبر تفعيل أدوار المنظمات الإقليمية كمنصات للحوار والتخطيط الإستراتيجي، وكلما إتجه القادة الأفارقة نحو تعزيز قيم التعاون السياسي والإقتصادي والأمني، زادت فرص تحقيق الإستقرار والتنمية الشاملة، وإرتفعت آمال الشعوب في تجاوز أزماتها المزمنة، وبات فجر إفريقيا الجديدة أقرب من أي وقت مضى، وتمثل هذه القمة فرصة مهمة جدًا للسودان لعرض رؤيته وتجربته، والمساهمة الفاعلة في صياغة مقاربات واقعية لمعالجة قضايا الإقليم، مستفيدًا من موقعه الجيوسياسي وموارده المتنوعة؛ كما يُنتظر أن تسهم مخرجات هذه القمة في إعادة ترتيب أولويات التعاون بين دول التجمع، وفتح آفاق جديدة للعلاقات الثنائية، خاصة مع ليبيا، بما يشمل مجالات التبادل التجاري والتواصل الثقافي والتنسيق الأمني، وصولاً إلى بناء شراكات إستراتيجية تدعم الإستقرار الإقليمي وتمهد الطريق نحو مستقبل أكثر توازناً وإزدهاراً.
![]()