حاطب ليل … بقلم: د. عبداللطيف البوني .. ليس فى الأمر عجب
ليس فى الأمر عجب
(1)
والجمعيّة التّأسيسيّة تُناقش في مسألة حَل الحزب الشيوعي في نُوفمبر 1966م، قال أحدهم وفي معرض هُجُومِه على الشيوعيّة، إنّها تدعو للإباحية والتّفَسُّخ الأخلاقي.. فانبرى السيد عبد الرحمن النور وهو من أقطاب حزب الأمة وكان وزيراً للإعلام، قائلاً إنّ هذا الكلام مُجافٍ للحقيقة، وإنّ الشيوعيين من أكثر المُنضبطين أخلاقيّاً، وإنّ ابنه شُيُوعيٌّ وقد ربّاهُ وأحسن تَربيته, وإنّه يفخر به والإشارة هنا للراحل البروفيسور أسامة عبد الرحمن النور..!
الأستاذ الصحفي المُحترم راشد عبد الرحيم أسماه والده راشد تيّمناً بالأستاذ عبد الخالق محجوب إذ كان ذلك اسمه الحركي، وراشد ظَلّ بَارّاً بوالده وفَخُوراً به، فالوالد شُيُوعيٌّ والابن حركة إسلامية.. الأستاذ المرحوم بكداش أحمد المصطفى أسماه والده على السوري/ خالد بكداش أول شُيُوعي يدخل برلماناً عَربيّاً، فالوالد كان شُيُوعيّاً، بينما الابن كَانَ من عُتَاة الإخوان المُسلمين.
الأمر المُؤكّد أنّ طلائع الحركة الشيوعيّة وطلائع الحركة الإسلامية في السودان لم يكن آباؤهم شيوعيين أو إسلاميين، وعلى حسب علمي الدكتور حسن الترابي كان في نقاشٍ دائمٍ مع والده عالم الدين والقاضي الشرعي الشيخ عبد الله في كثيرٍ من القضايا الخلافية بينهما.
(2)
إذاً، لا غرابة إذا انضم المئات من أبناء قادة النظام الحالي لحراك “ديسمبر – يناير – فبراير” الشبابي، فلا غضاضة أن يكون الأب إسلامياً ويكون الابن ليبرالياً من دُعاة الدولة المدنية أو رأى عوجاً في النظام فثار عليه.. فالانتماء السِّياسي أمرٌ اختياريٌّ تتداخل عُدّة عوامل في تكوينه، منها الأُسرة بطبيعة الحَال والشارع العام والمدرسة والجامعة والإعلام والمعارف المُكتسبة كَافّة ومع سطوة الإعلام، خَاصّةً السوشال ميديا قَلّ تَأثير الأسرة والمُؤسّسات التّعليميّة، ومع المَد الليبرالي المُنتشر يُمكن أن تكون الأسرة مُشتملة على عدة تيارات سياسيّة ومُتكاتفة في السّرّاء والضَرّاء ومُتعايشة في أمان الله.
أمّا الشباب الإسلامي قبل الإنقاذ والذي التزم جانبها وحارب في صُفُوفها ثُمّ انقلبَ عليها، فهذا قد أُصيب بإحباط ٍلأنّه رأى مشروعه الذي وَهَبَ نفسه له يموت أمام ناظريه، فشهدنا مذكرة الألف أخ، ثُمّ السائحون، ثُمّ الإصلاح الآن، إضافة لأفرادٍ كُثرٍ اعتزلوا العمل السياسي ولزموا دورهم، فهؤلاء وجدوا في هبة “ديسمبر – يناير – فبراير” مُتنفِّساً فخرجوا مع الخارجين ونادوا بسُقُوط النظام، وقد كان صوتهم عالياً فبعض الشهداء منهم واعتقل بعضهم وأُصيب بعضهم..!
(3)
إذاً، يا جماعة الخير، إنّ الشباب الإسلامي أو القادم من بيوت إسلامية موجودٌ بكثافة في الحراك الأخير، وليس من مصلحة الحراك المُزاودة عليهم.. ويبقى السُّؤال هل طوّروا نظرتهم لعلاقة الدين بالدولة أم أنّ الحكاية مُجَرّد رفض للنسخة القائمة من الانقاذ وهذا السُّؤال وقت الإجابة عليه لم يَحن بعد، طالما أنّ المُتحرِّكين رفعوا شعار (تسقط بس) وأجّلوا الإجابة على بقية الأسئلة.
ولكن في تقديري، إنّ هناك فُرصة لوجود تيار ليبرالي يهدف لإقامة دولة مدنية تبدأ بدولة القانون وسط كل هؤلاء الشباب باختلاف خلفياتهم الفكرية وأُصُولهم الاجتماعيّة، فمن يُقدِّم لهم هذا الزّاد وكيف ومتى؟ ولكن إلى حين ذلك ينبغي أن نُرحِّب بالأُسر والعوائل المُتَعَدِّدَة الاتّجاهات السِّياسيَّة، لأنّه من هنا تبدأ الفكرة الليبرالية. وفي تقديري الخاص أي أسرة منغلقة على فكرة سياسية واحدة والسياسة بالنسبة لها بزنس، مثل هذه الأسرة تُشَكِّل عقبة في طريق الليبرالية مَهمَا تَشَدّقت بها.
حاشية
اعتذر مُقدّماً للأخ راشد، حيث إنّني لم أستأذنه في ذكر تجربته الخَاصّة، إذ اعتمدت على ما بيننا من مودّة.. وكمان أسأله، ياربي ما يكون لديك يا راشد ولد واللاّ بنت مُؤيِّدة لهذا الحراك عشان يتم النّاقصة؟!
![]()