آخر الأخبار
The news is by your side.

تأملات قرآنية: يقول تعالى في سورة الكافرون

تأملات قرآنية: يقول تعالى في سورة الكافرون

بقلم: د. هاشم غرايبه

يقول تعالى في سورة الكافرون: “قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ . لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ . وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ . وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ . وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ . لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ”.

يتخذ كثيرون – جهلا – هذه السورة على أنها تعني حرية الإختيار للبشر، وعدم جواز دعوتهم الى دين الله، قائلين أنها أجازت لكل إنسان اختيار الدين الذي يريد.

هذه السورة، إضافة الى سورة الإخلاص، هما محددات العقيدة، فسورة الإخلاص حددت المبدأ وهو التوحيد، وسورة الكافرون حددت المنهج وهو أن الإيمان يتحقق بالقناعة العقلية.

إن حرية الإختيار مرتبطة أساسا بوجود العقل الذي هو أداة تحكيم، وهو فوق أنه تكريم للإنسان عن سائر المخلوقات الأخرى، إلا أنه أمانة أودعت في المرء، لكنها ترتب عليه مسؤولية حسن الإختيار، تماما مثل من حاز رخصة لقيادة السيارة، هي امتياز له عمن لم يحزها، تتيح له القيادة والإنتفاع من القدرة على الإنتقال السريع، لكنها أيضا يجب أن لا تستعمل لغرض غير مشروع، أو أن تلحق أذى بالآخرين، لذلك فالإختيار الخاطئ يترتب عليه مساءلة، وتوجب عليه عقوبة.

في هذه السورة القصيرة مواقف كثيرة منها:

1 – الملاحظ في كل الخطاب القرآني، أن الله لا يوجه الخطاب دائما إلا الى أحد ثلاثة: إما النبي صلى الله عليه وسلم، ولغايات التكليف والتوجيه والبيان، أو الجن والناس جميعا لغايات بيان سنن الله، أو للمؤمنين تخصيصا لغايات بيان الأحكام والتوجيه.

لا يوجه الله خطابا مباشرا للكافرين ولا للمشركين ولا للمنافقين، وذلك لأنه تعالى نسيهم جزاء ما نسوه، فلا يقيم لهؤلاء شأنا، لذلك عندما يريد أن يوجه لهم رسالة يوجه رسوله لتبليغهم إياها بالأمر (قل).

ولا بد من ملاحظة أنه لا يوجد خطاب للمسلمين، بل للمؤمنين، فبعد نزول الرسالة الخاتمة، أصبح الاسلام هو المدخل الوحيد للإيمان.

2 – الفيصل لتمييز المؤمن من غير المؤمن، هو التوحيد أي إفراد الله بالعبادة بلا إشراك لأحد معه في العبودية والربوبية، لأن ذلك يتناقض مع كمال الله وتنزيهه عن الحاجة الى العون والسند، وعبادته وحده هي إثبات لصحة المعتقد.

لذلك فالدين عند الله لا يتقبل اعتراف المرء بوجود الله فقط من غير عبادته، ولا عبادته لكن مع آخرين، فذلك ينقض إيمانه، ولا يقبله الله.

3 – لذلك فالإيمان المقبول من الله تعالى سلسلة متصلة من النيات والأعمال، لا لبس فيه ولا يقبل الخلط، فأصله القناعة العقلية، والوسيلة المادية الدالة عليه العبادة، والأسلوب الوحيد للتعبير عنه هو الدخول في دين الله، والدين عند الله هو الإسلام، والإسلام هو الرسالة الختامية التي أنزلها الله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم مستكملا بها الدين الذي ارتضاه لخلقه، والقرآن هو الدليل الدائم عليه، والمرجع الثابت لأحكامه.

4 – هكذا نتوصل الى معرفة أن الإيمان كيان متكامل يعزز بعضه بعضا، لا يقبل التجزيء ولا التبعيض، فالمرء إما مؤمن أو كافر، وينتقض الإيمان (العروة الوثقى التي لا انفصام لها)، بقطع أي من حلقات السلسلة، فينقطع اتصال المرء بخالقه.

5 – هنا نصل الى فهم مراده تعالى من إيراد الآية “وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ” مكررة مرتين، ففي الأولى جاءت بعد “لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ” والجملة هنا فعلية، وفي المرة الثانية جاءت بعد “وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ” وهي جملة إسمية، الفعل هو حالة طارئة تبدأ وتنتهي، أما الإسم فثابت باق دائما، لذلك فالمرة الأولى تصف حالة راهنة، هي قائمة حاليا، وتحتمل البقاء أو التغير، أما الثانية فمختلفة لأنها تصف المعتقد الذي سيبقى ولا يتغير.

لذلك ذكرها الله مرتين، لأن كل مرة لها دلالة مختلفة.

6 – لقد ذكر الله كل العقائد الزائغة بمسمى واحد “لَكُمْ دِينُكُمْ”، هذا لا يعني أنها دين، بل هو تعالى يسميها بما يعرفها به متبعوها، لكن إجمالها في عنوان واحد رغم أن ما تؤلهه مختلف، هو لأنها تتماثل جميعها في الضلال والزيغان عن الحق.

لذلك أمر نبيه الكريم أن يبلغ الكافرين جميعا، وفي كل الأزمنة من خلال متبعيه، أنه لا حل وسط في المعتقد، إما الإيمان أو الكفر.

Loading

شارك على
أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.